loading ..loading
القواعد المنظمة للاختصاص طبقا لقانون محاكمة الوزراء
مرت نظم الاجراءات والمحاكمات الجزائية بأطوار عدة حتى وصلت الى ما هي عليه الآن.. ويعتبر النظام الاتهامي من أقدم النظم، وقد ساد في الشرائع الفرعونية واليونانية والرومانية القديمة. وبمقتضاه تمر الدعوى الجزائية بمرحلة واحدة هى المحاكمة، وهي اشبه بالصراع بين خصمين ـ المتهم والمجني عليه ـ يحكم بينهما قاضٍ محايد يتم اختياره، ويباشر المجني عليه سلطة الاتهام في هذا النظام. وتتم اجراءات المحاكمة على نحو علني وبحضور الخصوم ولا يسبقها تحقيق، ويقتصر دور القاضي على الموازنة بين أدلة الخصوم دون أن يتدخل في جمع الأدلة لمصلحة المتهم أو المجني عليه. غير أنه وإزاء نمو قوة الدولة وبروز سلطانها، ظهر النظام التنقيبي او التحقيقي، ويرجع ظهوره إلى القانون الروماني. وتمر الدعوى الجزائية بحسب هذا النظام بمرحلتين، مرحلة الاستدلال والتحري والتحقيق، ثم مرحلة المحاكمة. ويتولى الاتهام سلطة عامة، فيما يتولى القاضي ـ وهو يمثل الدولة ـ الحكم في الدعوى. ويرى بعض الفقهاء ان النيابة العامة ظهرت في ظل هذا النظام، حيث لم تعد الجريمة اعتداء على حقوق الأفراد فقط كما هي في ظل النظام الاتهامي، بل اعتداء على المجتمع، ومن ثم أصبح من حق السلطة العامة حماية المجتمع. وللقاضي في النظام التنقيبي دور ايجابي، حيث له أن يحقق مع المتهم ويتدخل لجمع الأدلة، غير أن الحكم لا يصدر وفق مبدأ اقتناع القاضي، وانما على ضوء توفر «الأدلة القانونية». واذا كانت الدعوى الجزائية في النظام الاتهامي صراعاً بين خصمين تقع مهمة جمع الأدلة والإثبات بموجبه على عاتق المجني عليه دون تدخل من الدولة، ويترك مهمة اصدار الحكم لقاضي من عامة الشعب. ولا تتخذ بحق المتهم اية اجراءات فإن النظام التنقيبي أجاز تعذيب المتهم للحصول على اعتراف منه، ولا يحظى المتهم بحق الدفاع. وإزاء مساوىء وعيوب النظام الاتهامي والنظام التنقيبي، ظهر ما عرف بالنظام المختلط، وهو محاولة للجمع بين مزايا النظامين السابقين وتجنب عيوبهما. وبمقتضى هذا النظام تمر الدعوى الجزائية بمرحلتين، مرحلة الاتهام والتحقيق الابتدائي، ويغلب عليها طابع النظام التنقيبي، ويتولى الاتهام النيابة العامة، اما التحقيق فيتولاه قاضي متخصص أو النيابة العامة. اما المرحلة الثاني وهي المحاكمة فيغلب عليها طابع النظام الاتهامي، ويحكم القاضي في الدعوى حسب اقتناعه وليس وفقاً لنظام الأدلة القانونية. وفي الكويت كان النظام الاتهامي هو السائد، حيث كان تحريك الدعوى الجزائية واثباتها من اختصاص المجني عليه، غير ان الحكم في الدعوى كان من اختصاص الحاكم او من يفوضه بذلك. واستمر الوضع على ذلك النحو حتى صدر المرسوم الأميري رقم 19 لسنة 1959 بقانون تنظيم القضاء، حيث أسندت المادة 51 من ذلك القانون إلى النيابة العامة دون غيرها رفع الدعوى الجزائية ومباشرتها «مالم يوجد نص في القانون على خلاف ذلك». وجاء في المادة 52 من القانون ذاته ان النيابة العامة هي التي تتولى التحقيق في الدعوى الجزائية. فيما عهدت المادة الاولى من القانون الى المحاكم مهمة «النظر في جميع الجرائم الا ما استثني بنص خاص». وبهذا التنظيم أخذ المشرع الكويتي بالنظام المختلط مركزاً سلطتي الاتهام والتحقيق بيد النيابة العامة،ولم يعرف نظام قاضي التحقيق. غير ان المشرع عدل عن هذا المنهج جزئياً حين صدر القانون رقم 17 لسنة 1960 باصدار قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية ـ وهو اول تنظيم متكامل حديث للاجراءات الجزائية ـ حيث اجاز للمجني عليه مباشرة الدعوى الجزائية في الجنح فقط، مع الاحتفاظ للنائب العام بسلطةالادعاء والتحقيق يعاونه في ذلك أعضاء النيابة ومحققون في دوائر الشرطة. وبهذا يكون المشرع قد عاد جزئياً إلى النظام الاتهامي بتخويله المجني عليه حق مباشرة الدعوى الجزائية في الجنح. غير ان المشرع عدل عن هذا النظام وذلك بمقتضى القانون رقم 30 لسنة 1961 بتعديل قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية حيث وزع الاختصاص بمباشرة الدعوى الجزائية على النيابة العامة في الجنايات، والشرطة في الجنح، وألغى حق المجني عليه في مباشرة الاتهام. وحين صدر الدستور عام 1962 عزز المشرع الدستوري السلطة القضائية وأفرد لاحكامها بابا خاصاً، ووضع في المادة 167 منه اصلاً دستورياً حيث عهد الى النيابة العامة مهمة تولى الدعوى العمومية باسم المجتمع، باستثناء الجنح التي تتولى الدعوى العمومية فيها جهات الامن. وفي المادة 132 وجه المشرع الدستوري المشرع العادي نحو اصدار قانون خاص يحدد الجرائم التي تقع من الوزراء في تأدية اعمال وظائفهم ويبين اجراءات اتهامهم ومحاكمتهم والجهة المختصة بهذه المحاكمة. واستجابة للتوجيه الدستوري صدر المرسوم بقانون رقم 35 لسنة 1990 في شأن محاكمة الوزراء، وقد تضمن احكاماً مستحدثة بشأن اجراءات اتهام الوزراء والتحقيق معهم وتحريك الدعوى الجزائية بحقهم والجهة التي تتولى ذلك، حيث اسند للنائب العام مهمة الادعاء أمام المحكمة المختصة بمحاكمة الوزراء، فيما عهد بالتحقيق إلى لجنة مكونة من ثلاثة من المستشارين، وأسند إلى الأمير سلطة الإحالة إلى المحكمة. إلا أن هذه الأحكام تم تعديلها بالقانون رقم ٨٨ لسنة 1995 في شأن محاكمة الوزراء، حيث عهد المشرع إلى النائب العام مهمة تلقي البلاغات التي تقدم ضد الوزراء، فيما أسند مهمة الاستدلال والتحقيق والتصرف إلى لجنة خاصة مكونة من ثلاثة مستشارين تختارهم الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف. وعهد إلى النائب العام مهمة الإدعاء أمام المحكمة المختصة. وقد ثار الجدل حول الطبيعة القانونية للجنة التحقيق التي انشأها القانون رقم ٨٨ لسنة 1995، وهل اخذ المشرع في القانون المذكور بنظام الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق، وبالتالي هل تعتبر اللجنة بمثابة قاضي تحقيق، ام انها هيئة بديلة عن النيابة العامة تقوم بمهامها وهي تجمع بين سلطتي الاتهام والتحقيق وبذات صلاحياتها؟. من خلال هذه الدراسة سوف نحاول تحديد الطبيعة القانونية للجنة التحقيق التي انشأها القانون رقم ٨٨ لسنة 1995 في شأن محاكمة الوزراء، وبيان مدى توافق انشاء اللجنة وسلطاتها مع أحكام الدستور. وفي هذه النقطة تحديداً تتجلى اهمية الدراسة التي قسمناها إلى ثلاثة مباحث، نخصص المبحث الأول منها لبيان طبيعة النظام الإجرائي الذي تبناه المشرع في قانوني تنظيم القضاء والاجراءات والمحاكمات الجزائية الصادرين قبل الدستور، ثم نتناول بالشرح منهج المشرع الدستوري في تنظيمه الدعوى الجزائية. اما في المبحث الثاني فسوف نشرح النظام الإجرائي الذي تبناه المشرع في المرسوم بقانون رقم ٥٣ لسنة 1990 والقانون رقم ٨٨ لسنة ٥٩٩١ في شأن محاكمة الوزراء. وسوف نخصص المبحث الثالث لبيان مدى دستورية النظام الإجرائي الوارد في القانون رقم ٨٨ لسنة 1995 المشار اليه، ثم نجمع صفحات هذه الدراسة بخاتمة.


المبحث الأول نظام الاجراءات الجزائية وفقاً للدستور والقوانين السابقة عليه أولاًـ الإجراءات الجزائية قبل صدور الدستور: حتى عام 1960لم يكن نظام الاجراءات والمحاكمات الجزائية مدونا في الكويت، وكانت المحاكمات الجزائية تجري وفق نظام بدائي يستند على سلطة الحاكم وشكوى المجني عليه. وقد احتوى القانون رقم 19 لسنة 1959 بشأن تنظيم القضاء أول تنظيم متطور للسلطة القضائية في الكويت، حيث أنشأ النيابة العامة وأسند اليها «دون غيرها الحق في رفع الدعوى الجزائية ومباشرتها ما لم يوجد نص في القانون على خلاف ذلك». وأسند إليها الاختصاص بتولي التحقيق في الدعوى الجزائية. وفي عام 1960صدر القانون رقم 17 باصدار قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية، وهو أول تنظيم حديث للدعوى الجزائية وإجراءاتها. وإذا كان القانون رقم 19 لسنة 1959 بشأن تنظيم القضاء قد أسند إلى النيابة العامة دون غيرها الحق في رفع الدعوى الجزائية، فإن قانون الإجراءات منح جهات الأمن العام سلطة التحقيق والتصرف في الجنح تحت إشراف النائب العام، وفي الوقت نفسه أجاز المشرع للمجني عليه مباشرة الاتهام بنفسه في الجنح. فقد عهدت المادة ٩ من قانون الإجراءات إلى النائب العام تولي «سلطة الإدعاء والتحقيق» يعاونه في ذلك «أعضاء النيابة العامة ومحققون يعينون لهذا الغرض في دوائر الشرطة والأمن العام ولهم هم وضباط الشرطة صفة المحقق»، وأسند المشرع الإشراف الفعلي على أعمال التحقيق إلى النائب العام، وقد جعل المشرع التحقيق وجوبياً في الجنايات، واختيارياً في الجنح بحسب ظروف وأهمية الجنحة. أما سلطة التصرف في التحقيق فقد عهد بها المشرع وفقاً للمادة 107 إلى أعضاء النيابة العامة في الجنايات، أما في الجنح فللمحققين من غير أعضاء النيابة سلطة التصرف في التحقيق. وأجازت المادة 103 من قانون الإجراءات للمجني عليه «رفع دعواه إلى محكمة الموضوع في الأحوال التي يجيز القانون فيها ذلك» حتى لو صدر قرار بحفظ التحقيق، وأجازت المادة 106 «للمجني عليه أو لمن ينوب عنه من ولي نفس أو وكيل خاص حق رفع الدعوى الجزائية على المتهمين في جميع قضايا الجنح ومباشرة هذه الدعوى أمام المحكمة». كما قررت المادة 107 ان «من له حق مباشرة الدعوى الجزائية يتولى إجراءات الاتهام فيها أمام المحكمة»، وأجازت المادة ذاتها للنائب العام أن يتدخل في الدعوى «لتولي اجراءات الاتهام ولو كانت الدعوى مرفوعة من أحد المحققين من غير أعضاء النيابة العامة أو المجني عليه». كما منحت المجني عليه خيار البقاء في الخصومة أو الانسحاب منها دون أن يؤثر انسحابه «في حقوق المتهم قبله». ومن العرض السابق يمكن أن نستخلص أن المشرع تبنى نظاماً فريداً، حيث عهد إلى النيابة العامة سلطة الاتهام والتحقيق والتصرف في الجنايات والجنح، كما عهد لجهات الأمن بنفس السلطة في الجنح فقط، وأجاز للمجني عليه سلوك طريق الاتهام المباشر وإقامة الدعوى الجزائية في الجنح. كما أجاز اشتراك النيابة العامة والمجني عليه في مباشرة الدعوى الجزائية في الجنح. وبذلك يكون المشرع قد غلب النظام الاتهامي في الجنح حين أجاز للمجني عليه رفع الدعوى الجزائية، وأخذ بالنظام المختلط حين أسند سلطتي الاتهام والتحقيق في الجنايات إلى النيابة العامة وحدها، وأشرك معها المحققين التابعين لجهات الأمن في الجنح. وفي كل الأحوال لم يعرف المشرع مبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق ولم يأخذ بنظام قاضي التحقيق. غير أن المشرع سرعان ما عدل عن ذلك النظام الفريد، فأدخل تعديلات على قانون الإجراءات بمقتضى القانون رقم 30 لسنة 1961 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية. ومن أبرز التعديلات التي أدخلها المشرع إلغاء طريق الاتهام المباشر الذي أجاز للمجني عليه سلوكه في الجنح، وآلت سلطات الاتهام والتحقيق والتصرف في الجنايات إلى النيابة العامة، وفي الجنح إلى المحققين التابعين لجهات الأمن العام. وفيما أبقى على النظام المختلط، حرص المشرع في التعديل المشار إليه على فك التشابك بين النيابة العامة ودائرة الشرطة والأمن العام، فنصت المادة ٩ بعد التعديل على أن «تتولى النيابة العامة سلطة التحقيق والتصرف والإدعاء في الجنايات، ويتولى سلطة التحقيق والتصرف والإدعاء في الجنح محققون يعينون لهذا الغرض في دائرة الشرطة والأمن العام...» أما المادة 107 فقد نصت على أن «يتولى اجراءات الاتهام في الدعوى من باشر التحقيق والتصرف». وقصرت المادة 129 حق رفع الدعوى الجزائية على «النيابة العامة أو المحقق». ثانياً ـ الإجراءات الجزائية وفقاً للدستور: صدر الدستور الكويتي عام 1967، وقد حرص المشرع الدستوري على وضع المبادىء الأساسية التي تكفل حياد واستقلال القضاء، ووردت تلك المبادىء في الفصل الخامس تحت عنوان «السلطة القضائية» في المواد من 162 الى 173، وقد حرص المشرع الدستوري في المادة 167 على تأصيل اختصاص النيابة العامة في تولي الدعوى الجزائية فنصت تلك المادة على أن «تتولى النيابة العامة الدعوى العمومية باسم المجتمع، وتشرف على شؤون الضبط القضائي، وتسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام، ويرتب القانون هذه الهيئة وينظم اختصاصاتها ويعين الشروط والضمانات الخاصة بمن يولون وظائفها. ويجوز أن يعهد بقانون لجهات الأمن العام بتولي الدعوى العمومية في الجنح على سبيل الاستثناء، ووفقاً للأوضاع التي يبينها القانون». وبهذا النص أفصح المشرع الدستوري صراحة عن تبنيه النظام المختلط من بين نظم الإجراءات الجزائية، وساير بذلك التشريعات الحديثة، وجعل المشرع الدستوري اختصاص النيابة العامة بتولي الدعوي الجزائية أصلاً دستورياً ورد عليه استثناء واحد ورد في المادة 167 ذاتها وهو تولي جهات الأمن العام الدعوى العمومية في الجنح. وفي إطار التفسير الخاص لبعض مواد الدستور، فسرت المذكرة التفسيرية للدستور المادة 167 بقولها انه «مراعاة لواقع الكويت أجازت هذه المادة ـ على سبيل الاستثناء أن يعهد القانون لجهات الأمن في نطاق الجنح بتولي الدعوى العمومية بدلاً من النيابة العامة صاحبة الدعوى العمومية أصلاًً وذلك وفقاً للأوضاع التي يبينها القانون، ومقتضى هذا النص عدم جواز التوسع في هذه الرخصة لأنها استثناء، والاستثناءات تجري في أضيق الحدود...». وتشير المناقشات التي دارت بين أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد مسودة الدستور والمنبثقة عن المجلس التأسيسي، أن الاتجاه العام كان نحو منح النيابة العامة دون غيرها سلطة الاشراف على الدعوى الجزائية في الجنايات والجنح، غير أن الحكومة أبدت اعتراضها على ذلك آخذة في الاعتبار واقع المجتمع الكويتي ورغبة في منح وزير الداخلية سلطة على القضايا ذات الطابع العائلي أو القضايا التي لا تحظى بأهمية، وهي رغبة تنسجم مع الطبيعة القبلية للمجتمع الكويتي، غير أن الآراء تعددت في هذا الاتجاه وتم تأجيل اتخاذ القرار بصدد هذه المادة إلى أن تم التوصل إلى صيغة وسط هي الصيغة التي أقرها المجلس التأسيسي الواردة في المادة 167، وتشير تلك المناقشات إلى أن المشرع الدستوري حرص حرصاً شديداً على أن يوضح أن خروج الجنح من دائرة النيابة العامة صاحبة الاختصاص الأصيل إنما هو على سبيل الاستثناء، وأنه لا يجوز التوسع فيه. وعلى هذا الأساس يمكن القول أن المشرع الدستوري قد أغلق الباب أمام امكانية تبني نظام إجرائي ـ أياً كان ـ يسلب النيابة العامة اختصاصها الأصيل بتولي الدعوى العمومية، وأصبح اختصاص النيابة العامة بالاتهام والتحقيق والتصرف والإدعاء أصلاً دستورياً لا يجوز الحياد عنه إلا بتعديل الدستور ذاته. وانسجاماً مع هذا الأصل الدستوري نصت المادة 53 من قانون تنظيم القضاء المعدل بالقانون رقم 10 لسنة 1996 على أنه «تمارس النيابة العامة الاختصاصات المخولة لها قانوناً، ولها الحق في رفع الدعوى الجزائية ومباشرتها وذلك مع عدم الاخلال بحكم المادة ٩ من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية أو أي نص آخر في القانون». كما نصت المادة 54 من القانون ذاته على أن «تتولى النيابة العامة تحقيق الدعوى الجزائية وفقاً لأحكام المادة السابقة». وقد حرص المشرع في القوانين الجزائية التي صدرت بعد صدور الدستور على إسناد الاتهام والتحقيق والتصرف في الدعوى الجزائية في بعض الجنح إلى النيابة العامة تماشياً مع الأصل الدستوري وتقليصاً للاستثناء الوارد عليه، ومن ذلك على سبيل المثال القانون رقم 20 لسنة 1976 في شأن قمع الغش في المعاملات التجارية، والمرسوم بقانون رقم 10 لسنة 1979 في شأن الإشراف على الاتجار في السلع وتحديد أسعار بعضها، والقانون رقم 64 لسنة 1999 في شأن حقوق الملكية الفكرية، والقانون رقم ٢ لسنة 1995 في شأن البيع بأسعار مخفضة والقانون رقم 28 لسنة 1996 في شأن تنظيم مهنة الصيدلة، كما منح المشرع النيابة العامة دون غيرها سلطة التحقيق والتصرف والإدعاء في الجنايات والجنح التي تقع من القاضي أو عضو النيابة العامة أو عليه. وإذا استعرضنا قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية وقانون تنظيم القضاء، سنجد أن المشرع الكويتي يأخذ بنظام دمج سلطتي الاتهام والتحقيق، سواء بيد النيابة العامة أو جهات الأمن في الجنح، ولا يعرف المشرع نظام الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق إلا في المرسوم بقانون رقم 35 لسنة 1990 في شأن محاكمة الوزراء كما سنرى في المبحث الثاني.

المبحث الثاني النظام الإجرائي في محاكمة الوزراء تضمنت المادة 132 من الدستور توجيها للمشرع العادي باصدار قانون خاص يحدد الجرائم التي تقع من الوزراء. وجرى نص تلك المادة على النحو التالي «يحدد قانون خاص الجرائم التي تقع من الوزراء في تأدية أعمال وظائفهم ويبين اجراءات اتهامهم ومحاكمتهم والجهة المختصة بهذه المحاكمة، وذلك دون اخلال بتطبيق القوانين الأخرى في شأن ما يقع منهم من أفعال أو جرائم عادية وما يترتب على أعمالهم من مسؤولية مدنية». وفي عام 1990 صدر المرسوم بقانون رقم 35 لسنة 1990 في شأن محاكمة الوزراء. وقد حدد القانون في المادة الأولى منه الجرائم التي يسري عليها. وفي المادة الثالثة عهد المشرع بمحاكمة الوزير إلى محكمة عليا تشكل من خمسة أعضاء يختارهم مجلس القضاء الأعلى من بين المستشارين الكويتيين. أما بالنسبة لاجراءات الاتهام والتحقيق والتصرف في الدعوى الجزائية، فقد نصت المادة الخامسة من القانون على أن «يتولى النائب العام مهمة الادعاء أمام المحكمة العليا المختصة بمحاكمة الوزراء..!» فيما نظمت المواد السادسة والسابعة والثامنة اجراءات تحريك الدعوى والتحقيق. فنصت المادة السادسة على أن «للأمير ان يحيل إلى مجلس القضاء الأعلى بناء على طلب مسبب من رئيس مجلس الوزراء ما ينسب إلى الوزير من وقائع قد تشكل جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة الأولى من هذا القانون، ويجري تحقيقها والتصرف فيها وفقاً لأحكام هذا القانون». وأوجبت المادة السابعة على مجلس القضاء الأعلى أن يشكل لجنة تحقيق من ثلاثة مستشارين يختارهم بطريقة القرعة من بين مستشاري محكمتي التمييز والاستئناف، وذلك خلال ثلاثة أيام من إحالة الأمير الطلب الوارد من رئيس مجلس الوزراء، وطبقاً للمادة الثامنة تتولى اللجنة التحقيق في «وقائع الطلب» تحقيقاً سرياً، ولها في سبيل أداء مهمتها جميع الاختصاصات المقررة لسلطات التحقيق في قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية». وبعد أن تنتهي اللجنة من عملها، تعد تقريراً بنتيجة بحثها «وتقدمه إلى مجلس القضاء الأعلى الذي يتولى بدوره رفعه إلى الأمير خلال شهرين من تشكيل اللجنة، وعلى اللجنة أن تضمن تقريرها قرار الاتهام إذا كان متعلقاً بجريمة من الجرائم التي يسرى عليها قانون محاكمة الوزراء وكذلك قائمة بأسماء شهود الإثبات، او أسباب حفظ الاتهام أو غير ذلك مما تراه بحسب ما يسفر عنه التحقيق». وأوضحت المادة التاسعة أن محاكمة الوزير تتم بناء على إحالة قرار الاتهام من الأمير إلى مجلس القضاء الأعلى. وبهذا التنظيم الذي ابتكره المشرع يكون قد نزع عن النيابة العامة اختصاصها بمباشرة الدعوى الجزائية، فالاتهام يبدأ بطلب من رئيس مجلس الوزراء إلى الأمير، وللأمير أن يحيل الطلب إلى مجلس القضاء الأعلى، والتحقيق تجريه لجنة خاصة تقدم تقريراً بنتيجة بحثها إلى مجلس القضاء الأعلى الذي يحيل التقرير إلى الأمير الذي له أن يحيل قرار الاتهام إلى مجلس القضاء الأعلى ايذاناً بالشروع في محاكمة الوزير. فيما انحصر دور النائب العام في الادعاء أمام المحكمة. وبذلك يكون المشرع قد أخذ بمبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق بعد أن نزعها عن النيابة العامة صاحبة الاختصاص الأصيل، فجعل سلطة الاتهام موزعة بين رئيس مجلس الوزراء والأمير، أما التحقيق فهو من اختصاص لجنة خاصة، أما التصرف في التحقيق فهو من اطلاقات الأمير على ضوء ما تسفر عنه تحقيقات اللجنة، وللأمير سلطة تقديرية فله أن يأذن بمحاكمة الوزير ويتم ذلك إذا أحال تقرير الاتهام إلى مجلس القضاء الأعلى، أما اذا آثر عدم إحالة تقرير الإتهام فمؤدى هذا حفظ التحقيق. ورغم وضوح عبارات القانون ومقاصد المشرع، فقد شجر الخلاف حول أثر التنظيم الوارد في القانون على اختصاص النيابة العامة في التحقيق والتصرف في جرائم الوزراء وهل لا تزال تملك مباشرة الدعوى الجزائية في تلك الجرائم. وفي هذا الصدد ذهبت محكمة الوزراء في القضية رقم ١/96 إلى أن «النيابة العامة ليست هي الجهة المنوط بها تحريك الدعوى الجزائية ومباشرة الاجراءات القانونية ضد الوزير عما ارتكبه من جرائم مما تدخل في مهام منصبه الوزاري بل أناط القانون هذه المهمة إلى اللجنة المنصوص عليها في المادتين السابعة والثامنة من المرسوم المذكور (أي المرسوم بقانون رقم 35 لسنة 1990) وإن هذه اللجنة ـ المكونة من ثلاثة من مستشاري محكمة التمييز والاستئناف ـ هي صاحبة الاختصاص في التحقيق مع الوزير وإنها هي التي منوط بها أن تضع قرار الاتهام وترفعه إلى مجلس القضاء الأعلى ليتولى بدوره رفعه إلى سمو أمير البلاد الذي يحيل قرار الاتهام إلى مجلس القضاء».. وخلصت المحكمة إلى عدم قبول الدعوى الجزائية ضد الوزير لأن النيابة العامة هي التي قامت بتحريك الدعوى الجزائية «مما تكون معه جميع الاجراءات التي اتخذتها النيابة ضد المتهم المذكور من تحقيق وإحالة إلى محكمة الجنايات منعدمة لصدورها من سلطة غير مختصة». وقد أيدت محكمة التمييز في حكمها الصادر في الطعن رقم 138/97 جزائي ما انتهت اليه محكمة الوزراء. ورغم اتفاقنا مع ما خلصت اليه محكمة الوزراء بشأن نزع المشرع اختصاص النيابة العامة بمقتضى المرسوم بقانون رقم 35 لسنة 1990، إلا أننا لا نسلم بتوافق أحكام المرسوم في هذا الشأن مع المادة 167 من الدستور وهو ما سوف نتطرق اليه تفصيلا فيما بعد. واياً ما كان وجه الرأي في النظام الذي ابتكره المشرع في المرسوم بقانون 35 لسنة 1990، فقد صدر القانون رقم ٨٨ لسنة 1995 في شأن محاكمة الوزراء ورد فيه تنظيم مختلف للدعوى الجزائية ضد الوزراء عمّـا ورد في المرسوم. فقد قررت المادة الثالثة من القانون اسناد التحقيق في جرائم الوزراء إلى «لجنة تحقيق من ثلاثة من المستشارين الكويتيين بمحكمة الاستئناف تختارهم الجمعية العامة للمحكمة لمدة سنتين» وأسند المشرع إلى هذه اللجنة «دون غيرها» الاختصاص بفحص البلاغات التي تقدم مكتوبة وموقعة إلى النائب العام وحده» الذي عليه احالة البلاغ إلى اللجنة خلال يومين من استلامه. وطبقاً للمادة الثالثة تتولى اللجنة بصفة سرية بحث مدى جدية البلاغ، ويجب عليها فور وصول البلاغ اليها اخطار الوزير ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الأمة بذلك. وللوزير موافاة اللجنة بمذكرة متضمنة ملاحظاته على البلاغ. وللجنة دعوة المبلغ لسماع أقواله أو اتخاذ أي اجراء يقتضيه هذا البحث ولها كافة الاختصاصات المقررة قانونا لسلطات التحقيق عدا الاجراءات التي تنطوي على مساس بشخص الوزير أو حرمة مسكنه. وإذا تبين للجنة جدية البلاغ أمرت بالسير في الاجراءات ومباشرة التحقيق، أما إذا تبين لها عدم جدية البلاغ أمرت بحفظه نهائيا بقرار مسبب. ومنحت المادة الرابعة من القانون اللجنة «كافة الاختصاصات المقررة قانوناً لسلطات التحقيق ولها كذلك سلطة مد الحبس الاحتياطي المقررة لرئيس المحكمة طبقاً للمادة 69 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية». وأوجبت المادة ذاتها على النائب العام أو من ينيبه من المحامين العامين ان يحضر جلسات التحقيق «وله أن يبدي ما يراه من طلبات». أما عن تصرف اللجنة في التحقيق فقد قررت المادة السادسة انه «على اللجنة بعد تمام التحقيق اذا تبين لها أن هناك جريمة من الجرائم المبينة في المادة الثانية من هذا القانون، وأن الأدلة كافية، أن تعد قرار الاتهام وقائمة بأدلة الثبوت بالنسبة للوزير أو إلى فاعلين آخرين وشركاء وأن تأمر بإحالة القضية إلى المحكمة المنصوص عليها في المادة الثامنة. أما إذا أسفر التحقيق عن عدم وجود جريمة أو أن الوقائع المنسوبة للوزير لا صحة لها أو أن الأدلة عليها غير كافية، أمرت بحفظ التحقيق بقرار مسبب». أما عن مهمة الادعاء امام المحكمة فقد أسندتها المادة العاشرة إلى النيابة العامة. ومن العرض السابق للأحكام المنظمة للدعوى الجزائية ضد الوزراء، يتضح لنا أن المشرع قد تبنى في القانون رقم ٨٨ لسنة 1995 ذات المنهج الذي تبناه في المرسوم بقانون رقم 35 لسنة 1990 وهو المنهج الذي ينزع عن النيابة العامة اختصاصها بمباشرة الدعوى الجزائية. وقد حصر المشرع دور النيابة العامة في تلقي البلاغات، واحالتها ـ وجوبا ـ إلى لجنة التحقيق، والادعاء أمام المحكمة المختصة، دون أن يكون للنيابة العامة دور في تحريك الدعوى أو تحقيقها أو التصرف فيها أو حتى القيام بأعمال الاستدلال، قبل احالة البلاغ إلى لجنة التحقيق. وفي المقابل منح المشرع لجنة التحقيق سلطة الاتهام والتحقيق والتصرف، بل أناط بها ـ وهي بصدد البحث في مدى جدية البلاغ المقدم ضد الوزير ـ القيام بأعمال الاستدلال. والسؤال الذي يثور هنا هو: ما طبيعة لجنة التحقيق؟، هل هي ـ بحسب الصلاحيات التي قررها لها المشرع ـ قاضي تحقيق وهل يمكن القول ان المشرع في القانون رقم ٨٨ لسنة 1995 قد تبنى مبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق، أم أن اللجنة ليست سوى هيئة بديلة عن النيابة العامة تجمع بين يديها سلطتي الاتهام والتحقيق؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب أولاً التعرف على مبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق، ونظام قاضي التحقيق، أشرنا في مقدمة هذه الدراسة إلى أن النظام المختلط هو أكثر النظم الإجرائية شيوعاً، وإنه بمقتضى هذا النظام تمر الدعوى الجزائية بمرحلتين، الأولى مرحلة التحقيق، والثانية مرحلة المحاكمة. وإذا كان النظام التنقيبي قد شهد نشأة النيابة العامة التي تتولى الاتهام والتحقيق في الدعوى الجزائية، فإن النظام المختلط يتيح ـ في بعض تطبيقاته ـ فصل سلطة الاتهام عن سلطة التحقيق، فالاتهام بيد النيابة العامة، والتحقيق يسند إلى قاض. ولقد ظهر مبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق في أعقاب الثورة الفرنسية، وهو أحد نتائج مبدأ الفصل بين السلطات ويطلق بعض الفقه على الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق وصف الفصل بين الوظائف القضائية، ويهدف المبدأ إلى تقرير المزيد من الضمانات لحياد التحقيق، بحيث لا تكون لسلطة الاتهام سطوة في أعمال التحقيق، وكي لا تهدر قاعدة أن الأصل هو براءة المتهم، فالتحقيق الجنائي ليس وسيلة للبحث عن أدلة الإدانة فقط وإنما هو وسيلة للتحقق من صحة الاتهام أو بطلانه، وهذا يستدعي أن يبحث المحقق عن الأدلة التي لصالح المتهم وضده. ولا يتحقق مبدأ الحياد إن كان التحقيق بيد سلطة الاتهام، لذلك فإن تطبيق مبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق ينيط بالنيابة العامة الاتهام، فيما ينيط التحقيق بقاضي تحقيق. وبمقتضى هذا المبدأ تضحى كل سلطة بمثابة رقيب على الأخرى. وفي ظل هذا النظام تمارس النيابة العامة دورها في تقدير الاتهام وتجمع التحريات، فإن وجدت ما يستدعي التحقيق أحالت القضية إلى قاضي التحقيق ليباشر مهمته، وللنيابة العامة في هذه المرحلة سلطة كاملة في تحريك الاتهام أو الالتفات عنه ويتعدى دورها تلقي البلاغات فهي بمثابة الخصم للمتهم ولها أن تحضر التحقيق وتبدي الطلبات ثم تمثل الإدعاء أمام المحكمة، أما قاضي التحقيق فإن دوره يبدأ بالتحقيق وينتهي بانتهائه وهو ليس محركاً للاتهام ولا خصماً للمتهم. إن وجود قاضي التحقيق في النظام الإجرائي مرتبط بتطبيق مبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق، ولا يتصور وجوده في ظل نظام يجمع السلطتين بيد جهة واحدة، وقد يكون الفصل بين السلطتين هو الأصل في النظام الاجرائي، وفي هذه الحالة يكون قاضي التحقيق جزءا اساسيا من ذلك النظام، او قد يكون دمج سلطتي الاتهام والتحقيق هو الأصل في النظام الإجرائي مع استثناء يجيز اسناد التحقيق في قضية معينة لقاضي تحقيق وفق ضوابط معينة. على ذلك لا يمكن تصور وجود نظام قاضي التحقيق دون الأخذ بمبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق، ومتى كانت السلطة القائمة بالتحقيق تمارس سلطة الاتهام أيضاً، فإنه لا أهمية اطلاقاً لوظيفة القائم بالتحقيق ـ أي سواء كان قاضيا أو وكيل نيابة أو محققا يتبع جهات الأمن ـ فالعبرة هي بالنظام المتبع والصلاحيات، لا بالدرجة الوظيفية للقائم بأعمال التحقيق. وبإنزال القواعد السابقة على لجنة التحقيق الخاصة التي أنشأها المشرع بمقتضى القانون رقم ٨٨ لسنة 1995، تضحى هذه اللجنة هيئة بديلة عن النيابة العامة، تعمل في ظل نظام اجرائي مبتكر أسند إليها سلطة الاتهام وسلطة التحقيق والتصرف فيه، وهي ليست قاضي تحقيق. فالنيابة العامة طبقاً لقانون محاكمة الوزراء ليست سلطة اتهام، ويقتصر دور النائب العام في المرحلة الأولى التي تمر بها الدعوى الجزائية على تلقي البلاغات المكتوبة والمقدمة ضد الوزراء وإحالتها إلى لجنة التحقيق خلال يومين على الأكثر، وهذه الإحالة طبقا للمادة الثالثة من القانون وجوبية ليس للنائب العام ازاءها سلطة تقديرية، وبالتالي فان هذه الإحالة لا تعتبر اتهاماً من النيابة العامة، بل أن دور النائب العام في هذه المرحلة أقل أهمية من دور الشرطة حين تتلقى البلاغات عن الجرائم طبقاً للمادة ٠٤ من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، فتلك المادة تمنح الشرطة حق فحص البلاغات وجمع المعلومات المتعلقة بها وإثباتها في محضر التحري، كما أن للشرطة بحسب المادة 41 اجراءات أن تسمع أقوال المبلغ وتستدعي الشهود. كما منحت المادة 47 إجراءات المحقق عندما يصله بلاغ، صلاحيات لم تمنحها المادة الثالثة من قانون محاكمة الوزراء للنائب العام حين يصله بلاغ ضد وزير، ومن بينها أن يصدر المحقق قراراً بحفظ الأوراق ـ مؤقتاً أو نهائياً ـ وفقاً للقواعد المقررة في المادة ٢٠١ اجراءات. وإزاء هذا لا يمكن القول أن قيام النائب العام بإحالة البلاغ إلى لجنة التحقيق وفقاً للمادة الثالثة من قانون محاكمة الوزراء هو من قبيل الاتهام، فالإحالة هنا وجوبية لا يتمتع فيها النائب العام بصلاحيات الشرطة أو المحققين. أما عن حضور النائب العام أو من يمثله جلسات التحقيق التي تجريها اللجنة وإبداء الطلبات أمامها، فإنه لا يكفي بذاته للقول إن النيابة تمارس عملاً من أعمال سلطة الاتهام، ذلك أن الاتهام تباشره اللجنة ذاتها بعد أن تتوصل إلى جدية البلاغ، ويكون ذلك من خلال اصدار قرار بالسير في الإجراءات والبدء في التحقيق، وليس للنيابة العامة في هذا القرار دور مؤثر، فاللجنة هي التي تهيمن على البلاغ في الفترة التي تلي احالته إليها من النائب العام وحتى انتهاء البحث في مدى الجدية، وكذلك الأمر في مرحلة التحقيق. أما عن مباشرة النيابة العامة الإدعاء أمام المحكمة، فإن إسناد هذه المهمة للنيابة العامة يخالف ما ورد في المادة 107 إجراءات والتي تنص على ان «يتولى اجراءات الاتهام في الدعوى الجزائية من باشر التحقيق والتصرف»، فاللجنة هي التي تباشر الاتهام والتحقيق والتصرف طبقا لقانون محاكمة الوزراء، وطالما ان النيابة العامة لا تملك سلطة التصرف ـ البلاغ أو التحقيق ـ، فإن تكيفها بالإدعاء أمام المحكمة لا يجعلها سلطة اتهام. وإذا خلصنا إلى أن قانون محاكمة الوزراء قد نزع عن النيابة العامة سلطة الاتهام وحصر دورها في القيام بمجموعة من الأعمال ذات الطابع الاداري بالاضافة إلى الادعاء أمام المحكمة، فما هي طبيعة عمل لجنة التحقيق، وهل جمعت فعلاً بين سلطتي الاتهام والتحقيق؟ قسمت المادة الثالثة من قانون محاكمة الوزراء عمل لجنة التحقيق إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى وتبدأ فور تلقيها البلاغ من النائب العام، حيث تباشر اللجنة بحث مدى جدية البلاغ، ولها في هذه المرحلة أن تدعو المبلغ لسماع أقواله وللوزير المتهم أن يبدي ملاحظاته، وللجنة أن تتخذ أي إجراء يقتضيه البحث في مدى الجدية، ولها كافة الاختصاصات المقررة قانوناً لسلطات التحقيق عدا الإجراءات التي تنطوي على مساس بشخص الوزير أو حرمة مسكنه. ويمكن القول أن هذه المرحلة من مراحل عمل اللجنة تماثل المرحلة التالية لتلقي الشرطة أو المحققين بلاغات عن الجرائم، وهي المرحلة التي نظمها المشرع في المواد 40، 41، 42 من قانون الإجراءات، حيث إن اللجنة وهي في سبيل البحث في مدى جدية البلاغ إنما تقوم بأعمال الاستدلال والتحري، وهذا ما أكدته المذكرة الايضاحية لقانون محاكمة الوزراء، إذ ورد في تلك المذكرة تعليق على المادة الثالثة أنه «وبالنسبة لمرحلتي جمع الاستدلالات والتحقيق والسلطة المنوط بها القيام بهذا العمل وضوابطه في هاتين المرحلتين فقد نصت المادة ٣ على أن تشكل لجنة تحقيق..» فإذا تبين للجنة عدم جدية البلاغ أمرت بحفظه نهائياً بقرار مسبب. أما المرحلة الثالثة من مراحل عمل لجنة التحقيق، فتبدأ بعد أن يتبين للجنة جدية البلاغ. إذ تنص المادة الثالثة من قانون محاكمة الوزراء على أنه إذا «تبين لها جدية البلاغ، أمرت بالسير في الإجراءات ومباشرة التحقيق»... وطبقاً للمادة الرابعة فإن اللجنة في هذه المرحلة تتمتع بكافة الاختصاصات المقررة قانوناً لسلطات التحقيق إضافة إلى سلطة تجديد الحبس الاحتياطي وهي السلطة المقررة أصلاً لرئيس المحكمة طبقاً للمادة 69 إجراءات. وإذا تبين للجنة بعد انتهاء التحقيق عدم وجود جريمة أو أن الوقائع المنسوبة للوزير لا صحة لها أو أن الأدلة عليها غير كافية أمرت بحفظ التحقيق بقرار مسبب. أما إذا تبين للجنة بعد تمام التحقيق أن هناك جريمة من الجرائم المبينة في المادة الثانية من قانون محاكمة الوزراء، وأن الأدلة كافية، أن تعد قرار الاتهام وقائمة بأدلة الثبوت للوزير وأي فاعلية آخرين وشركاء، وأن تأمر بإحالة القضية إلى المحكمة المختصة، وهذه هي المرحلة الثالثة من مراحل عمل اللجنة. ومن العرض السابق يتضح أن المشرع قد أسند للجنة التحقيق سلطتي الاتهام والتحقيق، وخولها القيام بأعمال الاستدلال والتحري والتحقيق والتصرف فيه بما مؤداه أن اللجنة تعمل في ظل نظام اجرائي لا يعرف مبدأ فصل الوظائف القضائية، ومن ثم فإن اللجنة ليست سوى هيئة تحقيق بديلة عن النيابة العامة لا يصدق عليها وصف قاضي التحقيق. المبحث الثالث مدى دستورية النظام الإجرائي الوارد في قانون محاكمة الوزراء تنص المادة 167 من الدستور على أن «تتولى النيابة العامة الدعوى العمومية باسم المجتمع، وتشرف على شؤون الضبط القضائي، وتسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام. ويرتب القانون هذه الهيئة وينظم اختصاصاتها ويعين الشروط والضمانات الخاصة بمن يولون وظائفها. ويجوز أن يعهد بقانون لجهات الأمن العام بتولي الدعوى العمومية في الجنح على سبيل الاستثناء ووفقاً للأوضاع التي يبينها القانون». وورد في المذكرة التفسيرية للدستور وفي اطار «التفسير الخاص لبعض النصوص تفسيراً للمادة 167» انه «مراعاة لواقع الكويت أجازت هذه المادة ـ على سبيل الاستثناء ـ أن يعهد القانون لجهات الأمن العام في نطاق الجنح بتولي الدعوى العمومية (بدلاً من النيابة العامة صاحبة الدعوى العمومية أصلاً) وذلك وفقاً للأوضاع التي يبينها القانون. ومقتضى هذا النص عدم جواز التوسع في هذه الرخصة لأنها استثناء والاستثناءات تجرى في أضيق الحدود...» وإزاء هذا النص الصريح يثور السؤال عن مدى دستورية التشريعات التي تعهد لغير النيابة العامة بسلطتي الاتهام والتحقيق وتولي الدعوى العمومية باسم المجتمع خارج إطار النص الدستوري بأصله واستثنائه، كما هو الحال في القانون رقم ٨٨ لسنة 1995 في شأن محاكمة الوزراء الذي عهد إلى «لجنة تحقيق خاصة» تقوم بأعمال الاتهام والاستدلال والتحري والتحقيق والتصرف فيه. اننا نعتقد أن وضوح عبارات نص المادة 167 من الدستور باسناد تولي الدعوى العمومية باسم المجتمع إلى النيابة العامة، يجعل اختصاص النيابة العامة أصلا دستوريا لا يجوز الحياد عنه، وان الاستثناء الوحيد الذي ورد على هذا الأصل الدستوري هو ما ورد في المادة ذاتها فيما يتعلق بالجنح، وهذا الاستثناء مقرر مراعاة لواقع الكويت كما أشارت المذكرة التفسيرية للدستور، وهو استثناء لا يجوز التوسع فيه ولا القياس عليه. ولا يقدح في سلامة هذا الرأي القول بأن المشرع الدستوري في المادة 132 من الدستور قد أجاز أن يعهد بقانون لجهة أخرى غير النيابة العامة الاشراف على الدعوى العمومية في جرائم الوزراء، فقد جرى نص تلك المادة على نحو يؤكد أن المشرع الدستوري جعل اختصاص النيابة العامة بالدعوى الجزائية اختصاصاً عاماً لا يستثني سوى الجنح. فالمادة 132 تقول: « يحدد قانون خاص الجرائم التي تقع من الوزراء في تأدية أعمال وظائفهم ويبين اجراءات اتهامهم ومحاكمتهم والجهة المختصة بهذه المحاكمة، وذلك دون اخلال بتطبيق القوانين الأخرى بشأن ما يقع منهم من أفعال أو جرائم عادية، وما يترتب على أعمالهم من مسؤولية مدنية». فهذا النص يحمل توجيها للمشرع العادي بإصدار قانون خاص يحدد أولاً «الجرائم» التي تقع من الوزراء في تأدية أعمال وظائفهم، ويبين ثانياً «اجراءات اتهامهم»، وثالثاً «اجراءات محاكمتهم» ورابعاً « الجهة المختصة بهذه المحاكمة». ولا جدال في أن النص يفسح المجال لإسناد الاختصاص بمحاكمة الوزراء إلى محكمة خاصة وفق اجراءات خاصة. كما انه لا جدال في أن المشرع الدستوري قد رخص للمشرع العادي وضع اجراءات خاصة لاتهام الوزراء، بيد أن المشرع الدستوري لم يرخص للمشرع العادي انشاء جهة خاصة تتولى الإشراف على الدعوى الجزائية في جرائم الوزراء، ولا يجوز التوسع في تفسير عبارة «اجراءات اتهامهم» الواردة في المادة 132 من الدستور للقول انها تعني نزع الاختصاص الأصيل في تولي الدعوى العمومية من النيابة العامة وإسناده إلى جهة خاصة. فالمادة 132 تتحدث عن «اجراءات الإتهام» لا «سلطة الإتهام». فضلاً عن ذلك فلو كان المشرع الدستوري يرغب في اسناد مباشرة الدعوى الجزائية في جرائم الوزراء لغير النيابة العامة لأورد نصاً صريحاً بذلك كما فعل حين أجاز للمشرع العادي أن يحدد في القانون الخاص الجهة المختصة بمحاكمة الوزراء، وقد كان بمقدور المشرع الدستوري أن يقول «.. ويبين اجراءات اتهامهم والجهة المختصة بهذا الإتهام» إلا أن المشرع الدستوري ـ في رأينا ـ لم يرغب في اخراج جرائم الوزراء من سلطان النيابة العامة «صاحبة الدعوى العمومية أصلاً» التزاماً منه بما أورده في المادة 167 من الدستور. لما كان ذلك وكانت أصول التفسير توجب وعلى نحو ما قررته المحكمة الدستورية «أعمال قواعد التخصيص والتقييد المتبادل بين احكام الدستور بما يجعل بعضها يفسر بعضاً، فالنصوص لا يفهم بعضها بمعزل عن البعض الآخر وإنما تتأتى دلالة أي منها في ضوء دلالة باقي النصوص، الأمر الذي يتطلب وجوب امعان النظر إلى تلك النصوص جميعها بوصفها متآلفة فيما بينها متجانسة معانيها متضافرة توجهاتها بما لا تنفلت معها متطلبات تطبيقها او يبتعد بها عن الغاية المقصودة». كما أنه من المقرر أن «الأصل في النصوص الدستورية أنها تتعامل مع بعضها لتجمعها وحدة عضوية تضم أجزاءها وتوحد بين قيمتها فلا تنعزل عن محيطها ولا ينظر إلى بعضها استقلالاً عن سواها بل تتناغم فيما بينها بما يكفل تقابلها وتفاعلها لا تعارضها وتهادمها». وبانزال القواعد السابقة يمكن القول أن فهم المادة 132 من الدستور لا يجوز أن يتم بمعزل عن المادة 167 من الدستور، فالمادة 167 وضعت الأصل الدستوري في شأن الجهة التي تباشر الدعوى الجزائية وهي النيابة العامة، أما المادة 132 من الدستور فقد أجازت وضع اجراءات خاصة لإتهام الوزراء دون أن يؤدي ذلك إلى الخروج عن الأصل الدستوري الوارد في المادة 167، أي دون أن تؤدي تلك الاجراءات إلى تجريد النيابة العامة من اختصاصها الأصيل. وقد يرى البعض أن علة النص في المادة 167 إنما هي توفير ضمانات كافية لحياد واستقلال سلطة الإتهام، وأنه لا ضرر من إسناد هذه السلطة إلى غير النيابة العامة طالما أن ذلك لا يجرح ضمانات التحقيق العادل، وإن المشرع في القانون ٨٨ لسنة 1995 في شأن محاكمة الوزراء حين نزع عن النيابة العامة اختصاصها الأصيل بالاتهام والتحقيق انما كان يهدف توفير المزيد من الضمانات فأسند مهمة التحقيق الى لجنة مكونة من ثلاثة من مستشاري محكمة الاستئناف وهو الامر الذي يوفر مزيدا من الحيدة والاستقلال والكفاءة يفوق ما هو متوفر لدى وكلاء النائب العام ممن لم يتمرسوا في العمل القانوني. والرد على هذه الجحة سهل، فاختصاص النيابة العامة في مباشرة الدعوى الجزائية باسم المجتمع ليس مجرد ضمانة قانونية يجوز البحث عن ضمانة افضل منها، وانما هي أصل دستوري حسب صريح نص المادة 167 من الدستور. فضلاً عن ذلك فإن الضمانات لا تستمد من مؤهلات القائم بالتحقيق، فلا عبرة للدرجة العلمية او المهنية للمحقق، وإنما العبرة هي بموقعه الدستوري وسلطاته وصلاحياته والنظام الإجرائي الخاضع له. وقد يرى البعض إنه قياساً على حق المشرع العادي في إنشاء محاكم خاصة ـ كمحكمة أمن الدولة على سبيل المثال ـ وعدم اعتبار ذلك خروجاً على القواعد الدستورية المقررة، فإنه يمكن للمشرع انشاء سلطات اتهام وتحقيق غير النيابة العامة. بيد أن هذا القول يجافي المنطق، فالمحكمة الدستورية حين قررت عدم تعارض إنشاء محكمة أمن الدولة مع المواد الدستورية ذات الصلة، انما قررت ذلك باعتبار أن المادة 164 من الدستور قد أجازت للمشرع العادي ان يرتب المحاكم «على اختلاف أنواعها ودرجاتها ويبين وظائفها واختصاصاتها»، وليس لهذا النص ما يقابله بشأن ترتيب جهات أو أنواع أو اختصاصات سلطات الاتهام والتحقيق، ولا حمل لمثل هذا النص ازاء صراحة نص المادة 167 من الدستور، وبالتالي فإن المشرع الدستوري لم يرخص للمشرع العادي في إنشاء جهات أو هيئات أو لجان تحقيق بديلة عن النيابة العامة. فضلاً عن ان النيابة العامة اختصاصها بمباشرة الدعوى الجزائية. ولو أننا تتبعنا منهج المشرع العادي في التعامل مع الدعوى الجزائية لوجدنا أنه حرص على تعزيز اختصاص النيابة العامة لا تقطيع أوصاله.. فحين صدر القانون رقم ٣ لسنة 1983 في شأن الأحداث، أنشأ المشرع محكمة خاصة للأحداث ووضع تنظيماً اجرائياً خاصاً، لكنه لم يخرج الاختصاص في مباشرة وتولي الدعوى العمومية من سلطات النيابة العامة بل نص على إنشاء نيابة للأحداث تعمل ضمن التنظيم القانوني للنيابة العامة، بل ان الاتجاه العام للمشرع يميل نحو منح النيابة العامة سلطة التحقيق والتصرف في الجنح رغم وجود الرخصة الدستورية لاسنادها إلى جهات الأمن كما اوضحنا في المبحث الأول. وقد يرى البعض ان إنشاء لجنة تحقيق خاصة في جرائم الوزراء لم يلغ اشراف النيابة العامة على الدعوى العمومية، وأن جل ما فعله المشرع هو استحداث نظام قاضي التحقيق حيث تتولى النيابة العامة سلطة الاتهام، فيما يتولى التحقيق لجنة خاصة، كما أن المشرع أناط بالنيابة العامة الادعاء أمام محكمة الوزراء وأجاز لها حضور التحقيق وإبداء الطلبات، وهذا كله تمارسه النيابة العامة بما ينسجم مع نص المادة 167 من الدستور. ورغم ما يبدو لهذا الرأي من وجاهة إلا أنه مردود بما تضمنه القانون ٨٨ لسنة 1995، فدور النائب العام طبقاً للمادة الثالثة منه ينحصر في تلقي البلاغات المكتوبة والموقعة وعليه ـ وجوباً ـ إحالة البلاغ إلى لجنة التحقيق خلال يومين على الأكثر، ولم يمنح المشرع النائب العام هنا سلطة تقديرية في التعامل مع البلاغ، وليس للنائب العام أن يقوم بأي تحركات أو استدلالات في المرحلة الواقية بين تلقيه البلاغ وإحالته إلى لجنة التحقيق، وهو حين يحيل البلاغ إلى اللجنة لا يمارس سلطة الاتهام، فممارسة هذه السلطة تفترض أن لمن يمارسها حق تقديم الاتهام أو الاحجام عنه، وهذا ما لم يمنحه المشرع للنائب العام في شأن البلاغات، أما بشأن حضور النيابة العامة جلسات التحقيق وجواز ابدائها ما تراه من طلبات، فإن هذا لا يجعلها سلطة اتهام ايضا. ولا يمكن اعتبار الادعاء أمام المحكمة تولياً للدعوى الجزائية في جرائم الوزراء، ذلك أن المشرع حصر حق اصدار قرار الإحالة إلى المحكمة بيد لجنة التحقيق دون اعتبار لطلبات النيابة العامة بعد انتهاء التحقيق على نحو ما ورد في المادة ٦ من القانون. ويمكن اجمال القول أن المشرع في القانون ٨٨ لسنة 1995 لم يفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق فجعل الاتهام بيد النيابة العامة والتحقيق بيد اللجنة الخاصة، وإنما هو انتزع اختصاص النيابة العامة وجعله اتهاماً وتحقيقاً وتصرفاً بيد اللجنة، ومن ثم فإنه لا مجال للقول بتبني المشرع نظام قاضي التحقيق. فأساس هذا النظام هو فصل سلطة الاتهام عن سلطة التحقيق كما رأينا في المبحث الثاني. من جانب آخر، فإن المشرع منح لجنة التحقيق صلاحيات أدت في الواقع إلى تقليص الضمانات التي يتمتع بها المتهم في قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية المنظم لتحقيقات النيابة العامة، فتجديد الحبس الاحتياطي ـ على سبيل المثال ـ يجب أن يتم بأمر من رئيس المحكمة طبقاً لنص المادة 69 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية. ولا يملك وكيل النيابة الذي يحبس المتهم سلطة تجديد الحبس. بينما خول القانون رقم ٨٨ لسنة 1995 للجنة التحقيق سلطة حبس المتهم وتجديد حبسه، وبديهي القول ان منح اللجنة سلطة تجديد الحبس إهدار لضمانة رقابة القضاء على قرار الحبس الاحتياطي، ولا يسعف هنا الاحتجاج بالمكانة الوظيفية لأعضاء لجنة التحقيق وكونهم مستشارين في محكمة الاستئناف والزعم أن هذه المكانة بذاتها ضمانة للحيدة والنزاهة والاستقلالية، فاللجنة ـ وهي تملك سلطتي الاتهام والتحقيق ـ أصبحت طرفاً في الدعوى الجزائية وهذا بذاته كفيل باهدار الضمانة المزعومة التي توفرها الخبرة أو الدرجة الوظيفية، واللجنة من بعد ليست قاضي تحقيق محايدا، بل هي هيئة بديلة عن النيابة العامة تملك سلطتي الاتهام والتحقيق، بما مؤداه عدم جواز اسباغ «قدسية قانونية» على أعمال اللجنة، ففي هذه القدسية اخلال بحق المتهم في الدفاع عن نفسه، ومنح حصانة «اضافية» في غير محلها لتحقيقات اللجنة على نحو يضعف موقف المتهم ويكاد يقلب قاعدة افتراض البراءة، وتحميل للمتهم عبء اثبات براءته، وفي هذا اخلال جسيم بقواعد المحاكمة العادلة المنصفة. خلاصة القول انه إزاء وضوح نص المادة 167 من الدستور، فإنه لا يجوز للمشرع العادي انشاء جهات أو هيئات أو لجان تحقيق تقوم بعمل النيابة العامة التي اعتبرها الدستور صاحبة الدعوى العمومية أصلاً، وترتيباً على ذلك نعتقد أن نزع الاختصاص بالاتهام والتحقيق في جرائم الوزراء من النيابة العامة وإسناده إلى هيئة بديلة هي لجنة التحقيق المشكلة بموجب المادة ٣ من القانون رقم ٨٨ لسنة 1995 في شأن محاكمة الوزراء يتعارض مع المادة 167 من الدستور.