المقال السابق
|
أرسل هذه المقالة الى صديق
|
إطبع هذه المقالة
|
             
|
المغامرة الأخيرة!
|
خلال الأسابيع القليلة الماضية، كنا مجموعة صغيرة من المهتمين بالشأن العام، نبحث عن أفضل الوسائل لتصحيح أجواء البيئة السياسية الكويتية سواء على مستوى الحكم أو الحكومة أو على مستوى مجلس الأمة والقوى السياسية. لكن مع الأسف لم نتوصل إلى وسيلة محددة، على الرغم من استعراضنا لكافة الوسائل.. وسبب إخفاقنا هو أن البيئة السياسية الكويتية اليوم، حتى بوجود مجلس الأمة المنتخب والصحافة الحرة والتلفزيون الخاص، يسود فيها رأي الفرد الواحد وقراره. وليس بالإمكان، تحت مظلة الرأي الفردي المتحكم، تغيير الأجواء السياسية أو مسارات العمل السياسي أو توجهات الحكم أو قرارات الحكومة إلا بالتأثير على الرأي الفردي! فالدولة كلها تدار وفق "أطباع وأفكار واجتهادات وظنون شخصية فردية" لا وفق دراسات وتقارير، ولا وفق خطة وبرنامج. ومن دون تغيير تلك الأفكار والقناعات الفردية، لن ينجح أحد في تصحيح مسار العمل السياسي أو حتى تطوير الدولة، ذلك أن انعكاس الرأي الفردي والطبائع الشخصية والظنون والهواجس والقدرة والكفاءة الشخصية يسيطر تماما على العلاقة بين مؤسسات الدولة كالحكم والحكومة من جهة، ومجلس الأمة والقوى السياسية من جهة أخرى.
هذا من جانب، أما من الجانب الآخر فإنني مقتنع تماما بأن الحركة الشعبية الوطنية، على فرض وجودها اليوم، لن تتمكن من تحقيق نتائج مهمة مالم تتناغم، بشكل أو بآخر، مع تيار وطني إصلاحي داخل الأسرة الحاكمة ذاتها. فتاريخ الحركة الوطنية في الكويت، بل في الخليج، يشير في الغالب إلى وجود ارتباط من نوع ما بين تيار إصلاحي شعبي وتيار إصلاحي من داخل الأسر الحاكمة بصرف النظر عن الأسباب الخاصة التي توفر هذا الارتباط، أي بصرف النظر عن دوافع هذا الشيخ أو ذاك في الاقتراب من الحركة الوطنية الشعبية، وهي دوافع في الغالب ذات صلة بطموح الحكم. وإذا توسعنا قليلا في مفهوم "الحركة الوطنية" يمكن القول بأن مثل هذا الارتباط الإيجابي بين "التيار الشعبي" و"التيار الأسري" حدث في الكويت أكثر من مرة في العام 1921 (مجلس الشورى الأول) وفي العام 1938 (المجلس التشريعي الأول) وفي العام 1953 والأعوام القليلة اللاحقة له (تخلص عبدالله السالم من بعض الشيوخ وفرضه مشروع الدولة) وفي العام 1992 (وثيقة الشيوخ) وفي العام 2003 (فصل رئاسة الوزراء عن ولاية العهد).
وفي المقابل أيضا نجد أن التراجع عن المكتسبات الوطنية في الكويت وتكريس التخلف والحكم الفردي لم يتم من قبل الأسرة الحاكمة لوحدها، بل تم ذلك تحت مظلة شعبية أيضا، حتى وإن كانت محدودة أو لا قيمة لها، كما حدث في العام 1976 والعام 1986 والعام 1990 حين استند الحكم في مساعيه للتخلص من الحكم الدستوري وإنشاء مجلس شورى على "مطالبات شعبية"، وكما يجري التخطيط له حاليا من خلال الوثيقة التي وقعها عدد من الأشخاص بزعم تأييد النطق السامي!
وإذا كان من السهل في هذه المرحلة احتواء وتحجيم وفك الارتباط "السلبي" بين الشيوخ والمظلة الشعبية "الانتهازية" كما حدث في موضوع الوثيقة الأخيرة، فإن الصعوبة اليوم بالغة في إنشاء ارتباط "إيجابي" بين الشيوخ والحركة الوطنية. فالوضع الداخلي للأسرة الحاكمة اليوم محكوم باليأس والإحباط، بل أكثر من ذلك حيث يجد المتابع أن هناك حالة من الخوف والتخويف بين الشيوخ، فالكل يفضل الصمت أو ممارسة الانتقاد بالهمس، ولن تجد أي شيخ مستعد "لرفع راسه" وسط الشيوخ خوفا من الدس والوقيعة والفتنة.. والعقاب! نعم هناك شيوخ لديهم سلطات بحكم مناصبهم لكنهم لا يمارسون سلطاتهم إلا بعد أخذ الموافقة المسبقة، وهناك شيوخ لديهم القدرة على المبادرة واقتراح الأفكار لكنهم يمارسون فضيلة الصمت خوفا من إساءة الفهم، وهناك شيوخ لديهم شهادات وخبرات لكنهم أفرغوا عقولهم من محتواها حفاظا على بقاءهم السياسي.. نعم إن الوضع الداخلي للأسرة الحاكمة محكوم باليأس والإحباط والعزوف والقلق.. ووضع كهذا لن ينمو فيه تيار وطني إصلاحي وسط الأسرة أبدا.. وبالتالي لا توجد فرصة لارتباط إيجابي بين حركة وطنية شعبية وتيار إصلاحي داخل الأسرة الحاكمة.
ولعل ما يخفف الأسى والشعور بالمرارة أن المرحلة الحالية هي بطبيعتها مرحلة انتقالية، بل هي كذلك منذ بدايتها، لذلك قد يكون الانتظار والكمون والتطلع الإيجابي لمرحلة قادمة أجدى من محاولة تصحيح الوضع الراهن. وفي أجواء كهذه تكون مهمة الدفاع عن نظام الحكم الدستوري واستمراريته هي المهمة الأساسية. ففي ظل غياب "الرأي الآخر" وسط الأسرة الحاكمة، وفي ظل تعاظم معدلات النفاق السياسي الشعبي، وفي ظل "انبطاح" القوى السياسية، وتحت تأثير "فقر الأفكار"، لا أستبعد أبدا دخول النظام في مغامرة جديدة غير محسوبة هي الأخيرة حتما في سلسلة مغامرات التخلص من نظام الحكم الدستوري!
|
|
28/6/2008
|
|