ميزان
نرفض أسلوب الملاحقات السياسية.. نرفض زج أبناء الكويت في السجون.. نرفض قمع الحرية
محمد عبدالقادر الجاسم
المقال السابق
المقال السابق
أرسل هذه المقالة الى صديق
أرسل هذه المقالة الى صديق
تكبير الخط
تكبير الخط
تصغير الخط
تصغير الخط
إطبع هذه المقالة
إطبع هذه المقالة
المقال التالي
المقال التالي

نكهة الفستق!

أود أن أعتذر للقراء عن عدم نشر مقال الأسبوع الماضي، وأود أن أصارحكم القول بأن السبب الحقيقي لعدم الكتابة كان انشغالي "بالحبال"، أي صيد الطيور عن طريق الفخ، فأنا مولع بهذه الهواية التي مارستها منذ الصغر وما أزال.. لقد نجحت في العثور على "غبابي" ومفردها "غُبي" بالضم وليس بالفتح، وهي دودة تستخدم لصيد الطيور، وكانت فرحتي لا توصف كلما عثرت على "غُبي"، فأصرخ وأقول "كاهووو" كما كنت أفعل في صغري، كما نجحت في صيد "حمامي حساوي" و"فقاقة". واليوم، وقبل أن أشرع في كتابة هذا المقال "نبّرت غبابي" أيضا فعثرت على سبعة بين "سفيفة" و"عتل" و"سميسمي"، وقد "حبلت" الفخ وها أنا ذا أكتب مقال هذا الأسبوع الذي خصصته للحديث حول موضوع توارث الإمارة وأنقل عيني بين "الكي بورد" والفخ المنصوب!! إن العثور على "الغُبي" في باطن الأرض هذه الأيام أصعب بكثير من العثور على "الغبي" على سطحها!

وقبل أعرض مقال اليوم أتوقع أن من قرأ منكم مقالي السابق ومن تابع الأخبار حول صدور حكم ابتدائي بحبسي لمدة ستة أشهر يتوق لمعرفة رد فعلي على الحكم.. وأنا إذ أشكر كل من أتصل بي معبرا عن تضامنه معي، فإنني على يقين بأن من يعرفني منكم يدرك أن مثل هذا الحكم لا يضيرني أبدا.. فأنا صاحب رأي أعلنه في حدود القانون دائما، ولا أخشى غضب كائن من كان، وضميري مرتاح. بل أنهم في غضبهم وتوترهم ومؤامراتهم ضدي يظهرون مقدار هشاشتهم وضعفهم.. فحين يهتز "الكرسي" بسبب مقال واحد في الأسبوع فإن ذلك ليس مؤشر على قوتي، بل هو مؤشر على مقدار ضعفهم! أنهم، ومنذ فترة، يبحثون عن "آلية" تمكنهم إما من "شراء" مقالاتي أو إجباري على التوقف عن الكتابة.. وأود أن أقول للشيخ ناصر المحمد تحديدا: إذا كنت تتوقع أن يأتيك، بعد الحكم بحبسي، من يستجدي تنازلك أو عفوك، فأنت غارق في الوهم، ولتعلم يا شيخ ناصر أن رائحة زنزانة في السجن المركزي أقبع فيها بسبب جورك أزكى وأشرف وأطهر مليون مرة من "بخورك" ومن مقاعد "البنتلي"! إنني يا شيخ ناصر أواجه 14 قضية جزائية منك ومن محمود حيدر ويكفيني فخرا وشرفا أن أسجن بسببكما معا، فالتاريخ سوف ينصفني أما أنت.. فالله يعينك!

على كل حال، قمت يوم الخميس وخلال أقل من ساعة على صدور الحكم بالطعن عليه، وكل ما أود توضيحه للرأي العام أنه من ضمن عناصر دفاعي في القضية التي رفعت ضدي قلت أن "السي دي" الذي استندت عليه النيابة "مفبرك" ومزور، حتى أنني طلبت من المحكمة أكثر من مرة تزويدي بنسخة منه إلا أن المحكمة رفضت طلبي، كما أن "الشاهد" الوحيد في القضية هو محامي رئيس الوزراء مع العلم أنه لم يكن حاضرا الندوة!

أكتب هذا الأسبوع حول توارث الإمارة وأقول.. الناس غير الناس، والوقت غير الوقت، والظروف غير الظروف.. لذلك كله علينا أن نحتاط للأمر.. مجرد احتياط والحيطة لا تجلب الخسارة أبدا. فتعالوا نقلب الأمر ونطرح السؤال التالي: ماذا لو "أصبحنا الصبح" ووجدنا أنفسنا أمام بوادر "أزمة حكم" جديدة بتفاصيل مختلفة عن تفاصيل أزمة حكم 2006؟ إن خطورة هذا الموضوع تكمن في المصالح الاستراتيجية التي برزت في ساحتنا المحلية لأطراف "أجنبية" تمكنت من اختراق أكثر من دائرة قرار وباتت تتحكم في بعض "أوراق" اللعبة السياسية والإعلامية وتلعب في ساحتنا "على كيفها"!

في أزمة حكم 2006 كانت هناك نقاطا إيجابية وأخرى سلبية.. لذلك علينا أن نتعلم الدرس من تلك الأزمة ونعمل على تجنيب البلاد الوقوع في براثن أزمة جديدة ذات نكهة "فستقية" هذه المرة. لقد سبق لي، في كتاب "روح الدستور"، أن تناولت بالشرح المفصل نصوص قانون توارث الإمارة، وانتهيت إلى وجود حاجة ملحة لتعديل بعض نصوص ذلك القانون على ضوء ما كشفته أزمة حكم 2006. ومن بين المسائل التي أثرتها مسألة انفراد مجلس الوزراء بطلب إعفاء رئيس الدولة في حال فقدانه القدرة الصحية، وقد اقترحت تعديل قانون توارث الإمارة بحيث يتاح لمجلس الأمة أيضا أن يطلب تفعيل نص المادة (3) المتعلقة بفقد رئيس الدولة قدراته الصحية حتى لا يتراخى القرار لو حدث وفقد رئيس الدولة قدراته فعلا وذلك لمنع انتقال الحكم إلى ولي العهد. وأضيف إليه أن هناك أيضا خشية من أن يتم الاستعجال في اتخاذ قرار إعفاء رئيس الدولة تحت مظلة طموح الحكم أو التآمر الخارجي لا قدر الله.

وقد سبق للسيد جاسم القطامي أن أثار هذا الموضوع في مجلس الأمة في جلسة 14 يناير 1964 عند مناقشته قانون توارث الإمارة إذ اقترح منح مجلس الأمة حق تحريك الإجراءات بناء على طلب مقدم من ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس الأمة، إلا أن الاقتراح لم يحصل على موافقة الأغلبية المطلوبة. ومما قاله في هذا الموضوع: " سعادة الرئيس في الواقع أن موضوع فقدان الشروط من المواضيع التي كانت تاريخيا مجال أحداث، بمعنى أنه كان كثير من رؤساء الدول يفقدون الشروط فيستمر مجلس الوزراء في ممارسة صلاحياته وهو أكثر قوة ..". كما قال: " باعتقادي أن ترك الموضوع لمجلس الوزراء فقط وهي السلطة التي تعتبر هي الأمير أو ظل الأمير أعتقد أن الحق هذا لمجلس الوزراء وحده هذا أمر بالغ الخطورة فيجب أن يكون لكل من المجلسين مجلس الأمة ومجلس الوزراء إذا شعر أن يثير الموضوع في جلسة خاصة..".

وإذا كان "التراخي" في قرار تفعيل المادة (3) من قانون توارث الإمارة من أجل إبقاء الوضع كما هو والحيلولة دون انتقال رئاسة الدولة إلى ولي العهد، أو لأي سبب آخر، يشكل أحد وجوه انحراف التطبيق، فإن الوجه الآخر الأكثر خطورة في ظني هو "الاستعجال" في تفعيل المادة (3) لاسيما إذا كان لرئيس مجلس الوزراء هيمنة تامة على قرار الأغلبية في مجلس الأمة ويتطلع لبلوغ الإمارة.

وقد يظن البعض أن إثارة هذا الموضوع تخلو من القيمة العملية، وأنها خارجة على نطاق الواقع والحاجة.. وردا على هذا أقول صحيح، فنحن لا نواجه بوادر أزمة حكم لكن، ومرة ثانية أقول أيضا الناس غير الناس والظروف غير الظروف والعنصر الأجنبي في ساحتنا السياسية متربص بنا وله مصالح استراتيجية يسعى إلى تحقيقها في أسرع وقت، والأهم من ذلك كله أن البيئة السياسية تسمح، مع الأسف، بمرور المكائد الكبرى.

أعود إلى أزمة حكم 2006 وأقلب أوراقها فأجد ذلك التصريح الخطير الذي أدلى به الشيخ سالم العلي في شهر أكتوبر من العام 2005 والذي وجه فيه انتقادات حادة ولاذعة لوزير الديوان الاميري آنذاك الشيخ ناصر المحمد، رئيس مجلس الوزراء الحالي، ناسبا إليه القيام "بأدوار ليست من صميم اختصاصاته ومهامه الوظيفية، فليس صحيحا أو منطقيا أن يستفرد بالقرار". وقوله أيضا "ليس سرا ما نتحدث به، ولم يعد شأنا خاصا طالما أن الأذن لم تكن صاغية له في الداخل، ولا يجب أن نسكت على وضع يضع البلاد على شفا حفرة الفساد الذي مد أطنابه وضرب أوتاده مستفيدا من الأوضاع التي آلت إليها الامور، بما قدره الله سبحانه من أقدار". وقوله أيضا "إن الفوضى هي عنوان هذه المرحلة، والكل يشتكي من التسيب والمحسوبية، والشللية والرشوة التي انتشرت في أجهزة الحكومة، والجميع يتحدث عن أنها أسيرة لأشخاص التنفيع".

إن البيئة السياسية الحالية بيئة موبوءة فعلا أكثر مما كانت عليه في العام 2005، وهي كما أشرت بيئة مكائد كبرى.. إن تفشي الفساد وسط الطبقة السياسية عموما وارتباط قرار الأغلبية في مجلس الأمة بشخص واحد كلها عوامل لا توفر لنا الإطمئنان أبدا، لذلك فإنني أدعو إلى التفكير الجاد في إدخال تعديلات مهمة على قانون توارث الإمارة للحد من هيمنة مجلس الوزراء على بعض القرارات ذات الصلة بانتقال رئاسة الدولة وضمان عدم انحراف الممارسة سواء في "التراخي" في اتخاذ القرار أو في "التسرع" به.
إن ما يدعوني إلى إثارة هذه المسألة هو قناعتي بأن الناس غير الناس والظروف غير الظروف والوقت غير الوقت.. والأهم أن الطرف الأجنبي يتربص بنا!











2/4/2010



مقالات سابقة:
تنويه: هذه الآراء تعبر عن رأي الكاتب ولاتمثل رأي اي مؤسسة او جهة اخرى. لمراسلة الكاتب