المقال السابق
|
أرسل هذه المقالة الى صديق
|
تكبير الخط
|
تصغير الخط
|
إطبع هذه المقالة
|
المقال التالي
|
آفة السلطة!
|
خلال عطلة العيد الوطني، استمتعت بقراءة بضع صفحات من كتب تتناول التاريخ بالرواية والتحليل.. "شوية" من مقدمة ابن خلدون، و"شوية" من كتاب "وعاظ السلاطين" و"شوية" من تاريخ الدولة العباسية و"شوية" من تاريخ الدولة الأموية و"شوية" من تاريخ الأندلس.. وكنت خلال العطلة أيضا قد تلقيت خبرا يقول أن التحضير للفصل الأخير من فصول مسرحية القضايا التي رفعت ضدي قد بدأ، وأن الأوامر قد صدرت بعد أن اكتمل عقد التحريض وأثمر عن أمر صريح.. وكنت قبل العطلة قد ذهبت إلى مخفر "الخالدية" بعد استدعائي على ذمة قضية اتهمني صاحبها (محمود حيدر) بأنني أقمت ندوة في منطقة الخالدية ووجهت له السب والقذف على الرغم من أنني لم أشارك في أي ندوة في الخالدية إطلاقا! المهم، كتبت خلال العطلة، على إيقاع ذلك الخبر، مقالا لا يخلو أبدا من الصراحة، أوقل هو يخلو تماما من "الحصافة السياسية"، ويتضمن خطابا مباشرا كحال مقالاتي الأسبوعية تحت راية أنه إذا كان يراد مصادرة حريتي وقمع رأيي و.. "تلقيني درسا"، فليكن ذلك على "مقال يسوى"! لكنني، وبعد أن أنجزت المقال، آثرت التريث على ضوء جملة من "النصائح" بأن أغلق هذا الموقع أو أتوقف عن الكتابة مؤقتا أو أكتب حول شؤون غير سياسية، أو أن أكتب مقالات تتضمن قليلا من النفاق الموجود في "السوق" والذي يلقى رواجا منقطع النظير في أروقة السلطة. كما أنني أجريت "فحصا للنوايا"، لذلك كله لم أنشر المقال. الآن، وبعد أن أصبحت الكتابة عن الواقع المعاش "مزعجة" جدا للبعض، وبعد أن ارتفعت نبرة التحريض والتهديد والوعيد، وانتظارا لنتائج "فحص النوايا" الذي أجريته، وتحت تأثير النصائح، أكتب اليوم ما ترسب في ذهني مما قرأت خلال العطلة.. كتابة لا تضر ولا تنفع.. كتابة آمنة لا صلة لها بواقعنا لا مباشرة ولا إسقاطا.. كتابة "ما توديك مخفر ولا نيابة ولا أمن الدولة"!
حين تقرأ التاريخ.. ترشدك أوراقه إلى أنه في بلاط السلطة، في الأنظمة ذات النكهة القمعية، وتحديدا في بلاط السلطان صاحب الذات المتضخمة وحوله، تجد شخصيات ذات "ملمس ناعم" تنافس نعومة جلد الأفعى.. شخصيات رقيقة مهذبة لا تتخيل أن جيناتها منابع للفتنة والشر.. شخصيات موالية للسلطان "تحوفه حوف".. تفهم نظراته وتعبيرات وجهه.. خبيرة بنفسيته وتقلبات مزاجه.. تعرف متى تقول وماذا تقول، متى تبتسم، ومتى تقطب الحاجب.. تعرف متى تهز الرأس بالموافقة على كلام السلطان هزة واحدة أو إثنتان أو ثلاث.. شخصيات لديها قدرة فائقة على الحديث بهمس.. كما لديها "قرون استشعار" ذات حساسية عالية تفوق كفاءة قرون استشعار "الصراصير".. وتتمتع بحاسة "شم" سياسي تنافس القطط.. تعرف كل أسرار السلطان حتى ما يدور في مخدعه.. شخصيات تعرف كيف تسيطر على عقل السلطان.. تعرف كيف تبعده عن أبناءه.. كيف تعزله عن شعبه.. تعرف كيف تسيطر عليه سيطرة تامة حتى لا يمكنه الاستغناء عنها أبدا فتحكم هي باسم السلطان.. شخصيات بلا كرامة.. وجوهها "عريضة" تستقبل" بصقات السلطان كما لو كانت "ماي ورد".. تصلي مع السلطان إن صلى وتلهو معه حين يلهو.. موالية له حتما لكنها توالي وزيره الأول أيضا وتنقل له علوم صحة السلطان وأحوال ذاكرته استباقا منها لتصاريف القدر.. كما توالي رئيس مجلس شورى السلطان ويتآمرون معا فيما بينهم.. إنها شخصيات مبدعة في ثلاث، كما توصفها أوراق التاريخ: نقل الكلام في إذن السلطان ومن لسانه.. التآمر.. النميمة والتحريض..
هذه الشخصيات، كما تقول أوراق التاريخ أيضا، تعرف من أين تؤكل الكتف.. ثرواتها عظيمة.. تحصل على "درهم" من كل شيء.. في صفقات المنجنيق "الصيني" مثلا، أو في جدولة القرض الحسن "للقياصرة" ومبادلاته.. في مبايعات زيت الوقود "الخفيف"، المستخلص من الزيت الثقيل الكامن في باطن الأرض، والذي تنقله الدواب "المصهرجة" إلى الممالك القريبة.. بل تشير واحدة من أوراق التاريخ إلى أن أحدهم كان يحصل على "دراهم" من عمليات تجهيز "أوراق" البردى "للطباعة" "لمبعوثي" السلطان حول العالم.. بل وأكثر من ذلك أيضا إذ تذكر ورقة من أوراق التاريخ أن أحد السلاطين وافق على شراء "مضارب" للنزهة في جزيرة قريبة من مملكته، فحصل أقرب الناس إليه على عمولة مقابل إقناعه وهي "مضرب" خاص له يبلغ ثمنه نحو (750) ألف "قنطار".. باختصار، هذه الشخصيات هي "حيايا" في شكل إنسان.... إنها آفة السلطة وسبب فشل السلطان.. حتى حين يكون السلطان صادقا ومحبا للناس ومحبوب منها، تعمل تلك الآفات على عزله ودق الأسافين بينه وبين ابنه وأهله وشعبه.. آفات تغدر وتخون دائما.. لكن غدرها وخيانتها للسلطان، ولي نعمتها، يبدأ حين تظهر أولى إمارات المرض أو الهرم عليه، وحين ترتخي قبضته على مملكته.. فتولي وجهها شطر من يدفع لها أكثر!
ولأن تلك الشخصيات تحظى دائما بحماية ورعاية السلطان، فإنها تبقى بعيدة عن الحساب والعقاب.. لكن التاريخ يحكي لنا أيضا أن كل عهد يختلف عن سابقه.. وحين تزول الحماية.. تفتح الملفات فتتحول الأفاعي إلى فئران تقفز قبل الغرق!
تلك كانت خلاصة ما قرأت خلال عطلة العيد الوطني أحببت أن أعرضها عليكم، فإن أعجبتكم أبلغوني كي أكتب المزيد منها، وإن لم تعجبكم إبلغوني أيضا كي أتوقف عنها، وكل عام وأنتم والكويت بخير..
|
|
5/3/2010
|
|