المقال السابق
|
أرسل هذه المقالة الى صديق
|
تكبير الخط
|
تصغير الخط
|
إطبع هذه المقالة
|
المقال التالي
|
"غيلة" سياسية!
|
نجح الإعلام الموالي للشيخ ناصر المحمد خلال اليومين الماضيين في تحريف المسار الرئيسي "لفضيحة الشيك" من تصرف يحمل "شبهة سياسية" تتلخص في قيام رئيس مجلس الوزراء بدفع مبلغ 200 ألف دينار لعضو في مجلس الأمة، ومن واقعة قد تنطوي على "شبهة جنائية" يتوفر فيها الركن المادي لجريمة رشوة موظف عام (عضو في مجلس الأمة) مقابل إخلال هذا العضو بواجبات عضويته، إلى "مسألة قانونية" تتصل بسرية الحسابات المصرفية ومسؤولية بنك برقان والدكتور فيصل المسلم الذي كشف الشيك، و"مسألة سياسية" تتصل بمن زود الدكتور فيصل المسلم بصورة الشيك مع الإشارة المباشرة حينا وغير المباشرة أحيانا إلى الشيخ ناصر صباح الأحمد وزير الديوان الأميري باعتباره المسؤول عن نشر "الفضيحة".
وعن "الشبهة السياسية" و"الشبهة الجنائية".. وعن ناصر المحمد وناصر الصباح، أتحدث في هذا المقال.
(1) كشفت "فضيحة الشيك"، ومن خلال البيان الصحفي الذي أصدره وكيل رئيس مجلس الوزراء المحامي عماد السيف، أن واقعة إصدار شيك من حساب الشيخ ناصر المحمد إلى أحد أعضاء مجلس الأمة بمبلغ 200 ألف دينار هي واقعة صحيحة وثابتة، ولم يتم نفيها ولا تبريرها أبدا. وأيا كان الرأي القانوني في مسؤولية بنك برقان والدكتور فيصل المسلم، وأيا كان الشخص الذي "سرب" صورة الشيك، فنحن أمام واقعة حقيقية وثابتة اعترف بها الفريق السياسي والقانوني لرئيس مجلس الوزراء، فرئيس مجلس الوزراء دفع مبلغا من المال إلى عضو في مجلس الأمة. ونظرا لامتناع أو عجز رئيس مجلس الوزراء وفريقه القانوني والسياسي عن تقديم تبرير واحد لدفع المبلغ، ونظرا لصمت المستفيد من المبلغ عن تقديم أي تبرير أيضا، فإنه يمكن القول، وإلى أن يقدم رئيس مجلس الوزراء للشعب الكويتي تبريرا مقنعا يكشف فيه أسباب قيامه بدفع المبلغ، أن في الأمر "شبهة سياسية" مفادها أن رئيس مجلس الوزراء يستخدم المال السياسي لشراء مواقف بعض أعضاء مجلس الأمة. إن هذه "الشبهة" بذاتها كفيلة بإقصاء فوري لرئيس مجلس الوزراء في أي بلد يحترم فيه المسؤول الرأي العام.
(2) أيضا، ومن خلال التدقيق في البيانات والتصريحات التي صدرت عن الفريق القانوني للشيخ ناصر المحمد، يتضح لنا أنه لم يتم إنكار واقعة أن المبلغ الوارد في الشيك قد تم دفعه من حساب الشيخ ناصر المحمد خلال فترة توليه أعباء منصبه الرسمي إلى عضو في مجلس الأمة خلال فترة عضويته، ونظرا لعدم تقديم أي تبرير لدفع المبلغ، فإنه يمكن القول أن هناك "شبهة جنائية" بموجب أحكام القانون رقم (31) لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء (الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة، الفصل الأول، الرشوة واستغلال النفوذ) حيث تنص المادة (43) من القانون المذكور على أنه "يعد في حكم الموظف العام في تطبيق نصوص هذا الفصل: (أ) ... (ب) أعضاء المجالس النيابية العامة أو المحلية سواء أكانوا منتخبين أو معينيين..".
كما تنص المادة (35) على أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز عشر سنوات وبغرامة تساوي ضعف قيمة ما أعطي أو وعد به بحيث لا تقل عن خمسين دينارا كل موظف عام طلب أو قبل لنفسه أو لغيره وعدا أو عطية لأداء عمل أو للامتناع عن عمل من أعمال وظيفته..". كما تنص المادة (38) على أنه "يكون من قبيل الوعد أو العطية كل فائدة يحصل عليها المرتشي أو الشخص الذي عينه لذلك أو علم به أو وافق عليه أيا كان اسمها أو نوعها وسواء كانت هذه الفائدة مادية أو غير مادية". كما تنص المادة (39) على أنه "يعاقب الراشي والوسيط بالعقوبة المقررة للمرتشي..".
إن السؤال المهم الآن ليس من أين حصل الدكتور فيصل المسلم على صورة الشيك، بل لماذا دفع الشيخ ناصر المحمد مبلغ 200 ألف دينار لعضو في مجلس الأمة؟ وما هو المقابل الذي حصل عليه الشيخ ناصر؟ هذا هو المهم.. وهذه هي المسألة التي تجنبها فريق الشيخ ناصر القانوني والسياسي.. وأظن أنه، وبالنظر لعدم نفي الشيخ ناصر المحمد واقعة الدفع لعضو في مجلس الأمة، ومحاولة فريقه القانوني الالتفاف على "الفضيحة" بإثارة قصة مصدر الشيك وسرية الحسابات، فإن هناك "شبهة جنائية" جدية.
(3) أما عن ناصر المحمد وناصر صباح الأحمد، وعما تردد في شأن دور ناصر صباح الأحمد في "فضح ولد عمه"، فإنني أكتفي بالقول بأنه إذا كان الشيخ ناصر الصباح يقف فعلا وراء كشف "الفضيحة" كما يردد أنصار الشيخ ناصر المحمد، فإن هذا يعني أن الأسرة الحاكمة، أو بالتحديد "فرع آل جابر" منها، قد دخل مرحلة متقدمة جدا من صراع توقعت شخصيا بروزه في مقالات عدة منذ أن تضاءل دور الفروع الأخرى. وأن هذا الصراع الداخلي دخل مرحلة "التدمير الذاتي" أو مرحلة "علي وعلى أعدائي" وهي مرحلة خطيرة سوف تكون لها تداعيات سريعة تصيب ذرية مبارك الصباح وعموم أسرة الصباح، وليس "فرع آل جابر" فقط، بوهن شديد لن تتمكن من تجاوز آثاره. وإذا انتبهنا إلى الاتهام الذي وجهه قبل أيام وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد إلى الشيخ محمد الخالد بالعمل على الإطاحة به، ثم تسريب وقائع اجتماع مغلق جمع رئيس مجلس الوزراء وعدد من الشيوخ تمت فيه مناقشة هذا الاتهام ونشره في صحيفة "عالم اليوم" قبل أيام، فإنه يمكننا ملاحظة المدى الذي بلغه الصراع الداخلي في أسرة الحكم.
أما إذا لم يكن للشيخ ناصر صباح الأحمد صلة بكشف "فضيحة الشيك"، وكان توجيه الاتهام له من قبل فريق الشيخ ناصر المحمد يهدف إلى خلط الأوراق من أجل الإحراج العلني والتكسب "العائلي" لضمان حصول الشيخ ناصر المحمد على دعم "عمامه" في مواجهته القادمة مع مجلس الأمة، فإن النتيجة هي ذاتها.. أسرة حاكمة يتصارع أفرادها علنا، بصرف النظر عن المخطئ والمصيب، على نحو يضر كثيرا بسمعتها ومكانتها، وهي تتفكك وتضعف بشكل تدريجي يدعو إلى القلق.
في النهاية.. قد يقول البعض عن الصراع العلني بين ناصر المحمد وناصر الصباح "فخار يكسر بعضه"، وقد يظن البعض أنه كلما ضعفت أسرة الحكم كلما كان ذلك لمصلحة التطور الدستوري.. لكن الحقيقة المرة هي أن الصراع الذي يجري بين الشيوخ منذ فترة والمرحلة التي وصل إليها حاليا، هو أمر محزن مقلق وخطير ولا يخدم مصلحة الكويت أبدا.. إن القضية المهمة اليوم ودائما هي وضع أسرة الحكم، وما أتمناه هو ألا يتم تحميل "الديمقراطية وحرية التعبير ومجلس الأمة والصحافة والتلفزيونات والإنترنت" مسؤولية "التدمير الذاتي" الذي يمارسه بعض الشيوخ!
إن الكويت اليوم تتطلع إلى الأسرة الحاكمة وتراقب تطور الصراع فيها وتنتظر تصرف كبارها.. ولو كان القرار بيدي لما خدعت نفسي، ولواجهت "أصل المشكلة".. لا مظاهرها ونتائجها.. ولن يجدي "تأجيل الأزمة" ولا البحث عن "كبش فداء"!
|
|
7/11/2009
|
|