ميزان
نرفض أسلوب الملاحقات السياسية.. نرفض زج أبناء الكويت في السجون.. نرفض قمع الحرية
محمد عبدالقادر الجاسم
المقال السابق
المقال السابق
أرسل هذه المقالة الى صديق
أرسل هذه المقالة الى صديق
تكبير الخط
تكبير الخط
تصغير الخط
تصغير الخط
إطبع هذه المقالة
إطبع هذه المقالة
المقال التالي
المقال التالي

سلطة القصر!

خلال الحرب العراقية الإيرانية، سعت إيران إلى قصف منشآتنا النفطية، فكان أن تقرر نصب "مصدات" في البحر من "ألواح الألمنيوم" تثبت على "قاعدة" تطفو على سطح البحر "تجذب" الصواريخ الإيرانية فتنحرف عن مسارها!

في الوقت الذي يرفرف فيه علم الكويت في باحة قصر السيف العامر وفي ساحة العلم وعلى مبنى مجلس الأمة والمباني الحكومية.. هناك "رايات" سياسية متعددة ترفرف على ساحة العمل السياسي، رايات حضرية سنية، ورايات شيعية، ورايات قبلية.. وبالطبع هناك الراية "الصباحية". وفي هذا المقال سوف أتحدث عن الراية أو الرايات "الصباحية" فقط.

الراية "الصباحية"، هي راية الحكم بالطبع. وشعار هذه الراية، الذي ينتقل من جيل إلى جيل، يتلخص في "هواجس" لا تمت إلى الواقع بصلة أهمها الخوف من فقدان الحكم. نعم ففي أوساط الأسرة الحاكمة يتردد، منذ زمن المجلس التشريعي في العام 1938 مرورا بفترة إصدار الدستور وزمن الدكتور أحمد الخطيب ومن بعده زمن النائب الحالي أحمد السعدون، أن هناك من يسعى لإزاحتهم عن الحكم. وفي بيئة هذا الهاجس غير الواقعي، كما أصر على وصفه، يتغذي الموقف السياسي المحلي للأسرة الحاكمة ويسيطر على القرارات المفصلية، مثل قرار الانقلاب على الحكم الدستوري والقرارات ذات الصلة بتقليص حرية التعبير. وكثيرا ما يتداخل عامل سلبي، هو التنافس بين الشيوخ على السلطة، مع هاجس فقدان الحكم منذ قيام مبارك الصباح بقتل أخويه والاستيلاء على الحكم في العام 1896 حتى يومنا هذا. ويقول أحد الشيوخ الشباب "أننا نشعر دائما بالضعف، لذلك نسعى إلى تفكيك المواقف السياسية والحيلولة دون اتفاق القوى السياسية كي نتمكن من السيطرة". ( يعتبر البعض أن للمقالات التي تنشر هنا دور أساسي في تعزيز الهاجس التاريخي حاليا وأن المقالات تدور في فلك التنافس على السلطة بين الشيوخ وهو أمر غير صحيح إطلاقا).

والآن.. وعلى الرغم من الإجماع الذي يسود وسط القوى السياسية والرأي العام والأسرة الحاكمة حول إخفاق الشيخ ناصر المحمد بتقدير "إمتياز"، في القيام بمهام رئاسة الوزارة بعد أن شكل ست حكومات في ثلاث سنوات، وعلى الرغم من وجود قناعة تامة بوجوب تغييره.. لماذا يستمر الشيخ ناصر في منصبه؟ أو لماذا ظهرت مقولة "ما عندنا غيره"؟ وهل لهذه المقولة مفهوم "شخصي" يعني أنه لا يوجد شيخ آخر فعلا من ذرية مبارك الصباح أو من خارجها يصلح لتولي رئاسة الوزارة سوى الشيخ ناصر المحمد؟ أم أن للعبارة مفهوم "موضوعي" يتواءم مع الهاجس التاريخي ولا علاقة له بتوفر "البديل الناجح" ؟

حول هذه المسألة تحديدا دار نقاش بيني وبين الأخ العزيز أحمد الديين قبل أيام، وقد خلصنا إلى ترجيح المفهوم "الموضوعي" لمقولة "ما عندنا غيره" وهو أن رئاسة الوزارة هي "القواعد" وأن الشيخ ناصر المحمد الآن هو "الألمنيوم" الذي "يجذب" صواريخ الانتقاد والتذمر الشعبي. وأنه بالتالي ليس من مصلحة النظام أن يتم استبدال الشيخ ناصر المحمد لأن هذا الاستبدال يعني عدم وجود "مصدات" حماية وبالتالي الانكشاف السياسي لمركز النظام. وبعبارة أخرى يمكن القول أن إزاحة الشيخ ناصر من منصبه بناء على مطالب نيابية أو ضغط شعبي تعني خروج رئاسة الوزارة من سيطرة النظام ووقوعها في يد الشعب حتى لو تم الإتيان بشيخ آخر من ذرية مبارك، فالممنوع هو أن تفرض الإزاحة على النظام تحت تأثير فكرة أن الاستجابة إلى الضغط الشعبي تعني أن رئاسة الوزارة سوف تنتقل بسرعة إلى الشعب وتخسر الأسرة الحاكمة أحد أهم "حصونها" السياسية. فتحت الراية "الصباحية" لا تعتبر خسارة موقع رئاسة الوزارة ضعفا لنفوذ الشيوخ فقط، لكنها تتسبب في انكشاف "سلطة القصر".. وبالتالي فإن مقولة "ما عندنا غيره"، لا تعني الدفاع عن الشيخ ناصر ولا عن منهجه أبدا، ولا تعني عدم وجود من هو أكفأ منه، بل تعني الدفاع عن "موقع" سياسي للأسرة هو رئاسة الوزارة وبقاء القرار المتصل به في يد الأسرة.. والأسرة فقط.

كما قد يكون لمقولة "ما عندنا غيره" مفهوم موضوعي آخر يتلخص في أن وجود رئيس وزراء قوي وقادر على القيام بأعباء مسؤولياته ومنسجم مع مجلس الأمة ويمكنه حل ما يعترض طريقه من مشكلات من دون الاستعانة بالآخرين، يعني تحول رئاسة الوزارة إلى مركز مستقل عن المركز التقليدي للقرار في الأسرة وعلى نحو يبعده عن سلطة الشيوخ الكبار أو يضعف تلك السلطة على الأقل، ويكون مركزا للاستقطاب السياسي يتفوق حتما على المراكز التي تعلوه بما يؤدي إلى "تضخم" غير مقبول لدور رئيس مجلس الوزراء. وبالتالي فإن "ضعف" رئيس مجلس الوزراء هو الذي يحول دون "استقلاله" ويضمن "تبعيته". وبالطبع فإن هذا الوضع لم يظهر من قبل لأن سلطة كل من المرحوم الشيخ جابر الأحمد والمرحوم الشيخ سعد العبدالله وكذلك سلطة صاحب السمو أمير البلاد أطال الله في عمره خلال توليهم رئاسة الوزارة لم تكن منفصلة عن السلطة المركزية بل كانت هي السلطة المركزية ذاتها أيا كان المنصب الرسمي.

ولكن.. هل يوفر استمرار الشيخ ناصر المحمد حماية للنظام فعلا؟ وهل يؤدي التمسك به إلى منع انتقال رئاسة الوزارة إلى الشعب ويحافظ على قوة السلطة المركزية؟

بالنسبة للمحافظة على قوة السلطة المركزية من خلال "ضعف" رئيس الوزارء، فهذا أمر مؤكد، لكن بالنسبة لحماية النظام ومنع خروج رئاسة الوزارة نميل، الأخ أحمد الديين وأنا، إلى تبني فكرة معاكسة تماما إذ نظن أن استمرار منهج الفشل والإخفاق المتمثل بالشيخ ناصر المحمد هو الذي يقود الأمور حاليا نحو انتقال رئاسة الوزارة إلى الشعب، أي خسارة موقع ترفرف عليه راية "صباحية" صرفة، كما يقود إلى "تمدد" الانتقاد ووصوله إلى السلطة المركزية ذاتها على نحو يجعلها هدفا للانتقاد، ومن هنا نظن أن كلفة الدفاع عن الشيخ ناصر واستمراره سوف تكون عالية جدا على النظام لأن الشيخ ناصر يمثل الأسرة الحاكمة ولا يمثل نفسه فقط، وبالتالي فإن فشله ينسحب حتما على "عيال عمه"، فسواء "طالت ولا قصرت" سوف يأتي يوم يفرض الشارع إرادته الداعية إلى إزاحة الشيخ ناصر، وعندها لن يقبل الشعب بشيخ آخر ولن تعود رئاسة الوزارة إلى الأسرة أبدا خصوصا أنهم يكررون دائما مقولة "ما عندنا غيره"، وسوف تنكشف السلطة المركزية بشكل غير مسبوق!

في العام 2006، وبعد احتجاجات حركة "نبيها خمس"، والمطالبة بإبعاد الشيخ ناصر المحمد والشيخ أحمد الفهد، طرحت فكرة تعيين رئيس وزراء من أفراد الشعب لامتصاص الغضب الشعبي ثم استعادة المنصب للأسرة لاحقا، فعلق أحد الشيوخ الكبار قائلا بما معناه: "هي رايحة رايحة فليش نستعيل"!

على كل حال، من الواضح أنه ليس هناك قناعة داخل الأسرة بالشيخ ناصر المحمد كرئيس للوزارة، وإذا كان إبعاده عن الوزارة تحت ضغط شعبي أو نيابي غير مقبول لدى الأسرة، فإن المخرج هو الإبعاد الذاتي، أي تحت حجة المرض مثلا، للحفاظ على "كرامة القرار".

أن راية شيوخنا في الإجمال.. بيضاء، ولا يشوه بياضها بعض الأحداث والقرارات التي خرجت عن المسار، لكنني أنبههم هنا من خطورة استمرار الوضع الراهن.. فنحن لا نريد أن تكون لهم راية بيضاء أخرى ترفع بمعنى آخر، فالشيخ ناصر استهلك رصيده الشخصي تماما منذ فشل في الوزارة الأولى التي شكلها، وهو منذ ذلك الحين يستهلك من الرصيد العام للراية "الصباحية"!

إن مصلحة الكويت بشيعتها وسنتها وحضرها وقبائلها وشيوخها أيضا تكمن في رفع راية واحدة فقط ينضوي تحتها الجميع.. فلا شيخ يعلو على مواطن، ولا حضري يعلو على قبلي، ولا سني يتميز عن شيعي.. هي راية "المواطنة الدستورية".. أما هواجس شيوخنا فلا حل لها سوى الدستور بمادتيه الرابعة والسادسة، ففيهما أفضل "المصدات" لهم ولنا!


31/10/2009



مقالات سابقة:
تنويه: هذه الآراء تعبر عن رأي الكاتب ولاتمثل رأي اي مؤسسة او جهة اخرى. لمراسلة الكاتب