المقال السابق
|
أرسل هذه المقالة الى صديق
|
تكبير الخط
|
تصغير الخط
|
إطبع هذه المقالة
|
المقال التالي
|
نفضة سياسية
|
قبل وقوع الغزو العراقي عام 1990 قام عدد قليل من الشخصيات السياسية الكويتية بابلاغ الحكومة بنوايا صدام حسين, ولم يكن رأي تلك الشخصيات الا نتاج "توقعات فطنة" مشوبة بالحذر لمؤشرات واضحة.
ولأننا في الكويت لا نحسن التعامل مع اليوم, فما بالك بالمستقبل, فقد نزل علينا الغزو العراقي نزول الصاعقة وكأن الدولة واجهزتها غافلة تماما عما كان يجري.
ان "غفلة الدولة" مستمرة حتى هذه اللحظة ...خصوصا حين تكون اشارات الواقع تنبىء عن مستقبل غير مريح, حيث "يتصدد" المسؤول بسبب قلة الحيلة. بل ان المسؤولين لدينا يتثاقلون الحديث عن المستقبل, لا بل انهم "يتثاوبون" حين يتحدث المرء معهم عن المستقبل, ولسان حالهم يقول " بيه صج ما عندك سالفة.. والله شاط عمرك "!
ان الغفلة هي رديف التخطيط عند المسؤولين, وحين تقع الواقعة يقولون "شنسوي بعد صار اللي صار خلاص" أو "خو شدراني انا ما هقيت بيصير جذي" ومن هنا تأتي مسؤولية القوى السياسية التي يقع عليها عبء تخليص الدولة من غفلتها وتجاهلها للمستقبل. ان الكل يردد ان "الكويت ماشية سماري" لكن " لي متى عاد"!!
ان على القوى السياسية ان تتفق فيما بينها على التحرك الجاد والفعال بهدف البدء بخطوات حاسمة ومهمة لانقاذ البلد من سيطرة مؤسسة الفساد وحماية مستقبلها.
ان منطقة تحرك القوى السياسية معروفة بل ومعروف لها وللجميع ايضا اسباب ومصادر تردي الاوضاع العامة في الكويت. ومن الأمور التي تدعو للتفاؤل ان اصلاح الاوضاع سهل, فنحن في الكويت لا نعاني من خلل في العلاقة بين الشعب وحكامه, ولا تعاني الدولة من نقص في الايرادات, و"كلنا ثمانمية الف نفر بما فينا الاطفال وكبار السن" كما ان التدخل الغربي في شؤوننا الداخلية هو تدخل ايجابي ينزع نحو الضغط على الحكومة لاجراء اصلاحات سياسية, فهاهو وزير الاعلام يبلغ الاجانب عدم ممانعته في منح تراخيص لصحف جديدة! كما لدينا قدر من الحرية والمشاركة السياسية يكفل دفع خطوات الاصلاح الى الامام في اجواء هادئة تخلو من الانفعال والشطط, كما ان تاريخ الأسرة الحاكمة باجماله ايجابي حيث تميل الى التجاوب مع الضغط الشعبي, وهي لا تمارس التعسف والقمع. كما ان وضعنا الاقليمي مريح الى حد كبير, فالاوضاع المضطربة في العراق لا تشكل عنصر ضغط يتحكم في سياساتنا المحلية كما كان الوضع ايام حكم صدام حسين والحرب العراقية الايرانية.
والأهم من هذا وذاك ان هناك قناعة شعبية شاملة مفادها ان البلاد تحتاج فعلا الى "نفضة سياسية شاملة" وعلى هذا الأساس سوف يجد تحرك القوى السياسية تأييدا شعبيا عارما في توقيت هو "حساس جدا" بالنسبة للأسرة الحاكمة كما اشرت في المقال السابق وهو توقيت متصل بترتيب بيت الحكم.
ان كل العوامل تحفز بل وتدعو القوى السياسية لمباشرة التحرك الجاد الذي يساهم في انقاذ البلاد من الوقوع في براثن مستقبل لا نحكم مساراته.
والسؤال الذي ينبغي طرحه هو ماذا يمكن للقوى السياسية ان تطلب من الأسرة الحاكمة اذا افترضنا ان تلك القوى قررت فعلا تحمل مسؤولياتها واتفقت فيما بينها على التحرك؟
ان هناك جملة من المطالب السياسية يجب تقديمها للأسرة الحاكمة, وأول تلك المطالب التي يجب ان تتضمنها "وثيقة2005" هو اصلاح اوضاع الأسرة الحاكمة بما يكفل القضاء على الانقسام الحالي والتنافس المذموم بين افرادها شبابا كانوا ام تعدوا تلك المرحلة, مع اتاحة الفرصة لمن لم يتلوث بالفساد من الشباب بتحمل المسؤوليات الرئيسية وفق معادلة التوازن الايجابي الذي يكفل تضامن الشيوخ لا تنافرهم وعلى نحو يكفل ايضا مشاركة الفروع غير الحاكمة بصورة اكبر, فهم ايضا ينتمون للأسرة الحاكمة, كما يجب على القوى السياسية ان تشجع على تسليم مقاليد الحكم حين يحين أوان ذلك الى جيل الشباب وذلك بتخطي الجيل الوسط كي يزول هاجس الخلافة وكي تتاح الفرصة لتجديد وتطوير الفكر التقليدي المسيطر على أداء الشيوخ عموما.
اما المطلب الثاني فهو صياغة اتفاق بين الأسرة الحاكمة والقوى السياسية لإصلاح المؤسسات السياسية في الدولة وتحديدا معالجة الخلل في أداء مجلس الوزراء وذلك باتاحة الفرصة لمجلس الوزراء, بكل اعضائه, لممارسة صلاحياتهم الدستورية وعدم انفراد رئيس الوزراء, ايا كان, بصلاحيات مطلقة مع وجوب احترام رأي الأغلبية واعتماد الأسلوب العلمي في اتخاذ القرارات مع العناية بمعايير اختيار الوزراء بعيدا عن حسابات الولاء الشخصي, اضافة الى تقليص عدد الوزراء الشيوخ الذين يتعين اختيارهم على اساس الكفاءة لا وفقا للسن والفرع والولاء الشخصي. كما يجب وقف استخدام المال السياسي و مبدأ "تعميم الفساد" كآلية تحكم العلاقة بين الاطراف السياسية, كما يجب ان تلتزم الحكومة ببرنامج عمل واضح ومحدد ودقيق وان يتلو كل وزير امام مجلس الأمة في بداية تشكيل الحكومة ببيان يوضح الأعمال التي تعتزم وزارته تنفيذها كما كان عليه الوضع في عهد الشيخ عبدالله السالم, كما يجب تخليص الوزراء من القيام بمهام وظيفية واشراكهم في رسم السياسات العامة للدولة على قدم المساواة ودون اعتبار الوزراء من خارج الأسرة بمثابة وزراء درجة ثانية.
وتحت مطلب اصلاح المؤسسات السياسية لابد من الاتفاق على اصلاح احوال مجلس الأمة وذلك من خلال تطوير شامل للنظام الانتخابي وتعديل الدوائر الانتخابية بما يحقق العدالة النسبية ويقضي على القبلية والطائفية اضافة الى تخفيض سن الناخبين لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية, مع ضرورة العمل على وقف عمليات "التزوير الجماعي" التي تتم في فبراير من كل عام بمناسبة نقل الاصوات الانتخابية. كما يجب اعادة النظر في اللائحة الداخلية لمجلس الأمة على نحو يكفل تحسين أداء المجلس بلا شطط ودون اسراف في حماية الوزراء او سلب المجلس صلاحياته. كما يجب العمل على انتهاء مهمة "تخليص المعاملات" التي يقوم بها النواب.
اما المطلب الثالث في وثيقة 2005 فهو يتناول اصلاح وتطوير النظام القضائي والاجهزة المعاونة للقضاء بما يكفل رعاية حقوق الناس مع منح القضاة استقلالية فعلية واتاحة الفرصة للكفاءات الكويتية ذات الخبرة القانونية والعدول عن نظام العقود بالنسبة للقضاة غير الكويتيين واصلاح وتطوير نظام المحكمة الدستورية بحيث يتاح لها ممارسة مهامها الجوهرية دون تأثر باجواء الصراعات السياسية, وفي المقابل لابد من ضمان عدم تخطي مجلس الأمة حدود اختصاصاته ومحاولة سلب اختصاصات القضاء. كما يتوجب العمل على اصلاح الفتوى والتشريع وتخليصها من التبعية السياسية لمجلس الوزراء لضمان قيامها بدورها بقدر اكبر من الاستقلالية كي لا تتحول الى هيئة للتبرير القانوني لأخطاء الحكومة.
اما المطلب الرابع فهو يتناول الحريات العامة وهنا لابد للأسرة الحاكمة ان تدرك التغيرات التي طرات على العلاقات بين الحكومات والشعوب فلم يعد بالامكان ممارسة الوصاية على الشعب او الحد من حريته في التعبير السياسي وهذا يتطلب تعديل القوانين المقيدة للحريات مثل قانون المطبوعات وقانون التجمعات بما يسمح لرفع معدل الحرية, كما يتعين الترخيص للجمعيات بالعمل السياسي المباشر واصلاح اوضاع جمعيات النفع العام.
اما المطلب الخامس فهو فتح ملفات الفساد وعدم توفير الحماية لأي شبهة فساد بغض النظرعن "ابطالها" شيوخا من الفروع الحاكمة او من غيرهم ومن عوائل ذات نفوذ او من غيرهم وأيا كان وضعهم السياسي, بل ربما يجدر البدء "بذوي القربى" وعدم ممارسة الانتقائية في مكافحة الفساد.
تلك هي حسب تصوري اهم المطالب التي يجب تقديمها للأسرة الحاكمة, وقد يقال ان اغلب المطالب يمكن تحقيقها او السعي لتحقيقها عبر مجلس الأمة وهذا صحيح من الناحية النظرية لكننا نعلم يقينا ان للأسرة اليد الطولى في توجيه اصوات النواب, وما لم يتم الاتفاق على الاصلاح السياسي مع الأسرة الحاكمة فلن تسمح "الحكومة" للأغلبية النيابية بالتصويت لصالح الاصلاح السياسي.
ولكن السؤال هو ماذا لو اصرت الأسرة الحاكمة على تجاهل حاجة البلد للإصلاح, أو انها تجاوبت تجاوبا شكليا, كيف يمكن الدفع بأجندة الاصلاح السياسي وتطوير ادارة الدولة ومواردها؟
اذا كانت القوى السياسية جادة فعلا في تحقيق انجاز تاريخي فإن بإمكانها اظهار جديتها بسهولة ويسر, ومتى ما ادركت الأسرة تلك الجدية فإن تجاوبها لن يكون تجاوبا شكليا. وعلى اي حال فإن الأدوات الدستورية كفيلة ببيان مدى جدية القوى السياسية الممثلة في مجلس الأمة.. فإزاء تفشي الفساد لابد للقوى السياسية ان تواجه الموقف وتعيد توجيه أدواتها الدستورية نحو الاتجاه والهدف الصحيح بدلا من التنافس بينها على تصيد اخطاء "الوزراء الترانزيت" الذين لا ناقة لهم ولا جمل في رسم السياسات العامة, فعربة الاصلاح لم تمر من بوابة استجواب احمد الكليب او محمد الجارالله, وهي حتما لن تمر عبر بوابة استجواب عبدالله الطويل بل بالعكس فمثل تلك الاستجوابات عززت مسيرة "قطار الفساد" المندفع بلا رادع.
ان تبني القوى السياسية للمطالب الأساسية واللازمة للإصلاح والتطوير السياسي سوف يحولها الى "معارضة"... وبوجود معارضة سياسية ذات برنامج اصلاحي واضح ومحدد تستخدم لفرضه الادوات الدستورية المشروعة داخل البرلمان وخارجه سوف يتحقق قدر من التوازن السياسي في البلاد يعوض على المدى القصيرعلى الاقل انعدام التوازن داخل الأسرة الحاكمة ويضع حدا للتفرد في السلطة ولنتيجته المباشرة وهي التردي العام الذي تشهده البلاد حاليا.
ان على القوى السياسية ان ترتقي في ادائها السياسي وان ترفع سقف ذلك الاداء!!
|
|
12/9/2005
|
|