ميزان
نرفض أسلوب الملاحقات السياسية.. نرفض زج أبناء الكويت في السجون.. نرفض قمع الحرية
محمد عبدالقادر الجاسم
المقال السابق
المقال السابق
أرسل هذه المقالة الى صديق
أرسل هذه المقالة الى صديق
تكبير الخط
تكبير الخط
تصغير الخط
تصغير الخط
إطبع هذه المقالة
إطبع هذه المقالة
المقال التالي
المقال التالي

"قلاطة شيوخ"!

"لما أغمضت المنية عين الشيخ سالم، تنفس الكويتيون الصعداء وعزموا على وضع حد لتصرف الحاكم الذي سيخلفه في شؤون الحكم. وبعد ظهر اليوم الذي دفن فيه، اجتمع وجهاء البلد من حي القبلة وحي الشرق في ديوان ناصر البدر وتعاهدوا على الاتحاد وجمع الكلمة وتحديد الحكم المطلق في الكويت". وقد انبثق عن هذا الاجتماع وثيقة تاريخية هي وثيقة العام 1921 التي طالب فيها الأهالي أسرة الصباح بوجوب "إصلاح بيت الصباح كي لا يجري بينهم خلاف". كما طالبوا أيضا بإنشاء مجلس للشورى فاستجاب الحاكم الجديد الشيخ أحمد الجابر على الفور!

يشير التاريخ السياسي للكويت إلى أن حكام الكويت، باستثناء الشيخ عبدالله السالم، لا يميلون نحو المبادرة، بل هم لا يملكون أصلا القدرة على المبادرة التلقائية الإيجابية في إصلاح أمور الدولة. فالإصلاح والتطوير بالنسبة لهم يعني ببساطة تقلص سلطتهم الفردية أيا كان نطاقها، سواء مطلقة، كما كانت في الماضي، أو نسبية كما هي في الحاضر. ويشير التاريخ السياسي للكويت أيضا إلى أن مبادرات الإصلاح لم تتم إلا بعد تحرك شعبي جاد يجبر الحاكم على الاستجابة للمطالب الشعبية.

إن تحميل أسرة مبارك الصباح المسؤولية عن تردي الأوضاع في الدولة لا يجافي الصواب، ولا ينطوي على تجني أو مبالغة. بيد أن تحميلهم مسؤولية النهوض بالدولة وإصلاح أوضاعها فيه "ظلم" كبير لهم. فطبيعة حكامنا وتراث الحكم في كل زمن تفرض عليهم السعي "لإبقاء الوضع كما هو" مع وجود استعداد لانتهاز أي فرصة مواتية لتعزيز سيطرتهم.

ويشير تاريخنا السياسي أيضا إلى أن حكام الكويت تحديدا من أكثر الحكام في الخليج تجاوبا مع المطالب الشعبية. وهم، أي أسرة مبارك الصباح، من ذلك الصنف الذي يطلق عليه "براجماتي"، أي عملي. فهم يديرون خلافاتهم مع الشعب بمرونة كبيرة تتيح لهم التراجع عن قراراتهم أحيانا، كما تتيح لهم الانصياع لرغبة الشعب من دون أن يصاحب هذا التراجع أو ذاك الانصياع أي شعور كريه بجرح كرامة النظام. بل تراهم يندمجون وبسرعة لافتة للنظر في التغيير الذي أجبروا عليه حتى وإن كان الاندماج ظاهري كما هو الحال مع الحكم الدستوري الذي يخضعون له اليوم ويسعون لتغييره في الوقت نفسه.

وفي التاريخ السياسي الكويتي هناك قصص مشهورة تكشف بجلاء عن الطبيعة المستمرة والممتدة التي أشرت إليها للأسرة الحاكمة وطريقة تفكير حكام الكويت. هناك "قصة عنبر" التي حدثت في عهد الحاكم الرابع الشيخ صباح الثاني (1859- 1866)، وهناك قصة هجرة تجار اللؤلؤ في عهد الشيخ مبارك، وهناك قصة وثيقة 1921، وهناك قصة المجلس التشريعي في العام 1938 والعام التالي. وفي التاريخ الحديث هناك قصة مقاطعة المجلس الوطني، وهناك أيضا قصة إعادة العمل بالدستور، وهناك أيضا قصة نظام الدوائر الانتخابية الخمس.

إن ما يجمع بين القصص السابقة كلها هو تراجع أسرة مبارك الصباح عن قراراتها أو قبولها بالإصلاح بفعل الضغط الشعبي لا من تلقاء نفسها.

اليوم تزداد الشكوى ويتعاظم التذمر وينتشر الفساد وتسود المحسوبية.. اليوم بدأ المجتمع الكويتي ينشطر إلى حضر وبدو وسنة وشيعة.. اليوم تعجز الحكومة عن توفير خدمات تتناسب مع الإيرادات الهائلة التي تجنيها الدولة من النفط.. اليوم تسيطر الرشوة على مرافق الدولة.. اليوم يبدو حكم أسرة مبارك الصباح في أسوء حال حيث الكل يتآمر على الكل.. اليوم أصبحت الجنسية الكويتية مباحة لأفراد في الجيش الشعبي العراقي.. اليوم ينتابنا القلق من مصير حكم ذرية مبارك الصباح.. اليوم تغيب الكفاءة عن إدارة شؤون الدولة.. اليوم البطانة الفاسدة تحظى بمقام رفيع وكلمتها مسموعة.. باختصار.. التحرك الشعبي لإصلاح أوضاه الحكم وأوضاع إدارة الدولة مستحق اليوم كما كان مستحقا في بداية عهد الشيخ أحمد الجابر. وما أقوله ليس رأيي الشخصي فقط بل هو، كما أظن، قناعة عامة.

لكن.. إذا كان السخط عاما، فلماذا لا يبادر الحكم إلى الإصلاح؟ ببساطة أعود فأقول أن المبادرة بالإصلاح ليست من تراث الحكام ولا من طبائعهم، بل هي أصعب من قدراتهم. والحكم لن يتحرك قيد أنملة إلا إذا شعر بالضغط الشعبي. فالشيخ محمد بن الشيخ صباح الثاني لم يتخلص من "عنبر" إلا بعد أن هدد تجار الكويت بالهجرة منها. والشيخ أحمد الجابر لم يوافق على إنشاء مجلس الشورى ثم المجلس التشريعي إلا بعد ضغط شعبي. والشيخ جابر الأحمد لم يتراجع عن مساعي تعديل الدستور إلا بفعل الرفض الشعبي. والأسرة الحاكمة لم تتعهد بالعمل بالدستور في مؤتمر جدة إلا بفعل الضغط الشعبي والدولي. وفي العهد الحالي لم يتم تبني نظام الدوائر الخمس إلا بعد خروج الناس إلى الشارع.

إن معادلة الإصلاح في الكويت بسيطة جدا. تحرك شعبي جاد يعقبه استجابة فورية من الحكم. واليوم، مادام التحرك الشعبي الجاد مفقودا، فإن الحكم لن يحرك ساكنا. أما مجلس الأمة والصحافة، فلدى النظام القدرة المميزة على "تحييدهم" أو تجاهلهم، وقد أصبح جلد النظام "يبر" لا يأبه للانتقادات طالما أنها فردية غير مصحوبة بتحرك.

يقول التاريخ أنه بعد أن فرغ الشيخ مبارك من قتل أخويه، جمع وجهاء الكويت في ديوانه، وسرد لهم ما حدث وسألهم إن كان لدى أحد منهم اعتراض.. فقدموا له فروض الطاعة والولاء.. ثم بعد فترة وقع وجهاء الكويت، باستثناء عدد محدود جدا، وثيقة تتضمن تأكيد براءة مبارك من تهمة قتل اخوانه.. وبعد ذلك فرض مبارك عليهم "قلاطة شيوخ" وهي ضريبة مرتفعة جدا تدفع للشيخ مبارك من حصيلة الغوص!

إن على الشعب الكويتي، وتحديدا على من يستمتعون بوصفهم "رجالات الكويت"، مسؤولية كبيرة في انقاذ البلد. ولهؤلاء أن يختاروا بين نموذج من وقع شهادة براءة مبارك أو نموذج من وقع وثائق 1921 و1938!

على كل حال، وعلى الرغم من تلاشي الأمل، فإنني أتوقع أن تكون بداية العهد القادم، شعبيا، شبيهة ببداية عهد الشيخ أحمد الجابر. حيث آثر وجهاء الكويت الصمت في عهد الشيخ سالم بن مبارك وتحركوا قبل أن يستلم الشيخ أحمد الجابر مقاليد الحكم!


26/1/2008



مقالات سابقة:
تنويه: هذه الآراء تعبر عن رأي الكاتب ولاتمثل رأي اي مؤسسة او جهة اخرى. لمراسلة الكاتب