المقال السابق
|
أرسل هذه المقالة الى صديق
|
تكبير الخط
|
تصغير الخط
|
إطبع هذه المقالة
|
المقال التالي
|
مربط اليأس!
|
كان التفاعل مع المقال السابق "الكويت تستغيث" أكبر من توقعاتي بكثير، وكشف بالنسبة لي على الأقل، مقدار تحفز الرأي العام "لإنقاذ" الكويت من جهة ومقدار تفشي اليأس والاحباط. وأود قبل الاسترسال أن أشكر كل من سعى إلى زيادة "معدلات الأمل" وتخفيض نبرة اليأس، لكن مع الأسف لم تفلح تلك المحاولات، وسوف أبين السبب بعد قليل. كما أود أن أوضح أنني لن أتوقف عن الكتابة في هذا الموقع حتى وإن تسرب اليأس إلى النفس، ففي الكتابة هنا تواصل مع الجمهور وقيام بالحد الأدنى من الواجب تجاه بلدي.
كنت قد ختمت المقال السابق بترديد عبارة "إن الكتابة لم تعد مجدية ولابد من عمل شيء". وقد كانت هذه العبارة بالتحديد موضع نقاش في كل الرسائل التي تلقيتها وفي الاتصالات الهاتفية. والسؤال الذي تم طرحه بكثرة عبر ردود الفعل هو: ماذا يمكن أن نعمل؟ وقبل أن أحاول الإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن نسأل: أين يكمن مصدر الخلل؟ هل هو في نصوص الدستور؟ هل هو في تطبيق تلك النصوص؟ هل هو في تركيبة مجلس الأمة؟ هل هو في القوانين السارية؟
في تقديري الشخصي يكمن الخلل في وضع أسرة مبارك الصباح وفي تراث الحكم لديها وما يسيطر عليها من أفكار. وفي تقديري الشخصي أيضا فإنه لا جدوى من أي محاولة إصلاح لا تبدأ من هناك!
ومهما اختلفنا في تحليل أسباب التراجع، فإن هناك حقيقة واحدة مؤكدة ومحل إجماع وهي أن أحوال البلد هي انعكاس لأحوال النظام بفرعيه، أي الأسرة الحاكمة وواجهتها التنفيذية (الحكومة). أما على مستوى أسرة مبارك الصباح، فقد وصف أحد كبار الأسرة، وهو يتقلد منصبا رفيعا، وضع الأسرة بقوله "إحنا قاعدين نغرق"! وعلى الرغم من إدراكهم هذه الحقيقة إلا أنني لا أرى أن هناك من يمنع غرق الأسرة، فالتفكك والتطاحن والتآمر فيما بينهم لم يتوقف. وما تزال المناصب العامة تمنح لغير الأكفاء من أبناء الأسرة، ومازالت قاعدة الأقدمية (السن) وليس الكفاءة والخبرة هي التي تتحكم في توزيع الكراسي. فضلا عن ذلك فما يزال هناك في الصفوف الأمامية لأسرة مبارك الصباح من يحرض على التخلص من النظام الدستوري وتعزيز قبضة الشيوخ على الدولة، ومن هو غير قادر على التأقلم مع الرقابة الشعبية والمحاسبة العلنية. فبالله عليكم هل يمكن للأسرة الحاكمة أن تقود البلاد وهي بهذا الوضع؟
مهما "رحنا أو يينا"، فأوضاع الكويت لن تنصلح مالم تنصلح أوضاع أسرة مبارك الصباح. أليسوا هم من يشكل الحكومات؟ أليسوا هم من يتدخل في الانتخابات؟ أليسوا هم من يعين وكلاء الوزارات؟ أليسوا هم من يتحكم على نحو مطلق في القرارات الاستراتيجية؟ أليسوا هم من يختار رئيس مجلس الأمة ونائبه وأمين السر من خلال أصواتهم في مجلس الأمة؟ أليسوا هم من يتحكم في المناقصات الرئيسية ويمنحونها لحلفاءهم؟ أليسوا هم من يسعى لبناء قاعدة الولاءات الشخصية؟ أليسوا هم من يشيع عدم الاستقرار في البلاد من خلال التهديد بالقضاء على النظام الدستوري؟
والآن.. كيف يمكن إصلاح أوضاع أسرة مبارك الصباح ولماذا تملكني اليأس؟
لقد سبق لي أن كتبت في هذا الشأن مجموعة من الأفكار المحددة والخطوات التفصيلية لمثل هذا الإصلاح المنشود، ولا أرى مبررا لإعادة عرض تلك الأفكار. لكن السؤال المستحق هو ما هي "آلية" تحقيق الإصلاح؟ إن يأسي مرتبط بهذه المسألة.
إن مجلس الأمة غير مؤهل لإصلاح أوضاع أسرة مبارك الصباح مباشرة، وهو وإن كان يملك الأدوات الدستورية لمحاسبة ومراقبة الفرع التنفيذي للأسرة (الحكومة) إلا أن المصالح الشخصية للأعضاء وولاءاتهم السياسية تجعل عدد غير قليل منهم "تابع" للشيوخ. كما أن السقف السياسي الذي يمارس أعضاء المجلس عملهم تحته غير مرتفع ولا يتجاوز استجواب الوزراء. ومن جهة أخرى نعلم جميعا أن الفساد بين أعضاء مجلس الأمة هو "قاعدة عامة" لا يستثنى منها إلا عدد محدود جدا.
أما عن مؤسسات المجتمع المدني كجمعيات النفع العام والنقابات والاتحادات، فهي غير فاعلة إطلاقا، كما أنها مخترقة من قبل أشخاص أو تيارات انتهازية، وهي بالكاد تعمل على خدمة منتسبيها ومن دون أي دور سياسي مهم. كما أن بعضها يدار، على نحو غير مباشر، من قبل شيوخ!
أما عن دور الرأي العام، فإنه على الرغم من وجود قدر كبير من الوعي، وكذلك قدر كبير من الاحباط والتذمر بين الناس، إلا أنه ليس هناك من يقود الرأي العام الكويتي. صحيح أن كتاب الرأي يساهمون إلى حد كبير في صياغة أفكار الرأي العام، إلا أن عدم فاعلية الرأي العام تعود لعدم وجود قيادة شعبية له مع استثناء الجماعات الإسلامية التي تتمتع بقاعدة شعبية ضخمة تخضع لقيادتها، لكن انتهازية تلك الجماعات وأنانيتها تخرجها من إطار القوى الوطنية، خاصة أنها حاليا تحقق الكثير من المكاسب عبر استغلال ضعف أسرة مبارك الصباح واضطراب واجهتها التنفيذية (الحكومة) في العمل السياسي، وبالتالي فليس من مصلحة تلك الجماعات التي تمارس الانتهازية السياسية أن تتحرك في إطار المصلحة العليا للدولة. بل أن ضعف أسرة مبارك الصباح واضطرابها هو ما يحقق أكبر قدر من المكاسب لتلك الجماعات!
وبعد، يبقى السؤال قائما ومن دون إجابة. ما هي آلية إصلاح أوضاع أسرة مبارك الصباح؟
في تقديري الشخصي هناك وسيلة تقليدية وأخرى غير تقليدية. الأولي هي تحرك من يمكن وصفهم تجاوزا "رجال الكويت". والمقصود هنا بعض الشخصيات ذات المكانة الاجتماعية التي تحظى بالقبول من أسرة مبارك الصباح، رغم قلتهم. وتحرك هذه الشخصيات يأتي عادة في إطار "النصيحة". غير أن "رجال" الكويت آثروا الخنوع وهم يلوذون بالصمت، وبحكم التقاليد التي لم تزل تسيطر على تفكيرهم، تراهم يكتفون بتبادل الشكوى بصوت يكاد يكون غير مسموع، وهم لا يملكون القدرة على المبادرة، كما أن المصالح المالية لبعضهم تعيق حركتهم السياسية. إضافة إلى ذلك كله، فهم لا يشعرون أنهم محل ترحيب كما كانوا في عهود سابقة، ولسان حالهم اليوم هو "نحشم روحنا أحسن"!
وأيا ما كانت أعذار "رجال الكويت"، فإن صمتهم أفقدهم الفاعلية وحولهم إلى واجهات اجتماعية غير ذات تأثير سياسي، ومن ثم يجب استبعادهم من أي حملة للإصلاح.
أما الوسيلة الوحيدة المتبقية لإصلاح أسرة مبارك الصباح، وبالتبعية إصلاح الكويت، فهي الدور الشعبي المباشر. وقبل أن أوضح المقصود بالدور الشعبي المباشر علينا أن نقر بأن القرار في "كويت اليوم" هو قرار شخصي فردي مركزي، ومن هنا يجب أن تبدأ مسيرة الإصلاح. لقد طرح بعض القراء مجموعة من الأفكار تفاوتت بين دعوة للعصيان المدني إلى تشجيع "حركة تصحيحية" إلى تشكيل تنظيم سياسي إلى عقد مؤتمر شعبي يحمل أسرة مبارك الصباح المسؤولية. وربما تكون فكرة المؤتمر الشعبي هي الأكثر إلحاحا، وتبدو منطقية إذا كان الهدف هو توجيه رسالة موحدة من الشعب إلى أسرة مبارك الصباح بوجوب اتباع خطوات محددة في نطاق زمني محدد مع تحميلهم مسؤولية تردي الأوضاع وتحمل عواقب استمرار الوضع الحالي. لكنني شخصيا أعتقد أنه طالما كان القرار في الكويت "شخصي فردي مركزي" فلا جدوى من كل تلك الأفكار، وهنا "مربط يأسي"، إذ كيف يمكن تخليص الكويت من شخصانية وفردية ومركزية القرار؟
حين يغيب التوازن السياسي في ظل معادلة القرار الشخصي الفردي المركزي، فلا بديل عن خلق جبهة معارضة سياسية، وهذا هو المقصود بالدور الشعبي المباشر، تسعى لإعادة التوازن في إطار الشرعية الدستورية التي عبرت عنها نصوص الدستور الحالي وأهدرتها تلك المعادلة.. لكن من يعلق الجرس؟
|
|
12/1/2008
|
|