ميزان
نرفض أسلوب الملاحقات السياسية.. نرفض زج أبناء الكويت في السجون.. نرفض قمع الحرية
محمد عبدالقادر الجاسم
المقال السابق
المقال السابق
أرسل هذه المقالة الى صديق
أرسل هذه المقالة الى صديق
تكبير الخط
تكبير الخط
تصغير الخط
تصغير الخط
إطبع هذه المقالة
إطبع هذه المقالة
المقال التالي
المقال التالي

روح الدستور

"نعتقد أن بيان دين الدولة في دستورها إنما هو مجرد بيان للانتماء الديني لأغلبية أفراد الشعب، كما هو حال البيان الذي ورد في المادة الأولى بشأن الانتماء القومي للشعب الكويتي. وكما أن بيان الانتماء القومي لا ينشأ التزاما دستوريا على الأفراد أو السلطات العامة، فإن بيان الانتماء الديني لا ينشأ أيضا ثمة التزام دستوري على السلطات العامة في الدولة أو على الأفراد".

".. أما الحقيقة الثالثة فهي تستفاد من طريقة تعيين الحاكم الأول للكويت. فبصرف النظر عن أسباب اختيار صباح الأول بالذات، فإن حكم أسرة مبارك الصباح الحالي تأسس من قبل الأهالي لا من قبل عائلة الصباح ذاتها. فالحقيقة الراسخة هي أن صباح الأول كان الحاكم المختار من قبل الأهالي، وهذا الاختيار هو أصل الحكم. وليس هناك ثمة رواية تاريخية تقول عكس هذا الأمر. فحكم عائلة الصباح تأسس من دون أي استخدام للقوة، ومن دون عنصر الإكراه. ولم يستند الحكم على قاعدة الزعامة القبلية، وليس له أساس ديني على الإطلاق، كما لم يعتمد على النفوذ أو الثراء أو القوة الاقتصادية..".

".. من جهة أخرى فإن أصول الحكم لم تكن ذات بعد ديني. فليس صحيحا ما يتردد من اعتبار قاعدة التشاور التي أقيم عليها الحكم في الكويت هي تطبيق للشورى في الإسلام. فالواضح أن الحاكم كان ملزما بالتشاور مع التجار من أجل الحفاظ على حكمه وعلى ما يحصل عليه من عوائد مالية لا من أجل تطبيق قاعدة دينية. كما أن إصرار التجار على التزام الحاكم بمشاورتهم كان لضمان مصالحهم وليس لضمان تطبيق أحكام الدين. ومع ذلك فإن الالتزام بقاعدة التشاور، أيا كان أساسها، هو التزام سياسي لا ديني، وهو التزام متذبذب تتحكم به طبيعة الحاكم والأحداث التي يواجهها..".

".. أما بالنسبة للقواعد التي تحكم النشاط الاقتصادي في المجتمع القديم، فلم يكن الدين مصدرها. ويتضح ذلك بوضوح شديد من شيوع الربا بصور عديدة. ومن نظام الغوص الذي يلزم ورثة المدين بسداد دين والدهم حتى وإن لم يترك المتوفى أي أموال يمكن سداد ديونه منها. ومن تسديد الدين عن طريق العمل الإجباري لدى الدائن. وغير ذلك من قواعد تحكم النشاط الاقتصادي وتتعارض مع أحكام الدين..".

".. وإدراكا من الشيخ مبارك لحاجته إلى التأييد البريطاني لحماية حكمه وحماية الكويت، سعى لإبرام معاهدة مع بريطانيا، بل أنه تعهد من جانب واحد بالتبعية الدائمة لبريطانيا في العام 1899. ولعله من المهم هنا توضيح أن بريطانيا لم تتعهد بحماية الكويت ولم تمنح الشيخ مبارك الموافقة على حصر الحكم في ذريته في العام 1899..".

"إن المعنى اللغوي لكلمة ذرية يشمل الذكور والإناث، فذرية الرجل هم أبناءه وبناته، وبالتالي فإن شرط الانتساب إلى ذرية مبارك يعني أن الحكم يمكن أن يؤول إلى الإناث والذكور من ذرية مبارك على حد سواء، كما يعني أن من ينتسب لمبارك بواسطة الأم هو مستوف لشرط الانتساب لذرية مبارك..".

"نعتقد أن اصطلاح "أسرة حاكمة" في الكويت لا ينطبق إلا على ذرية الشيخ مبارك الصباح، أما بقية أفراد عائلة الصباح فهم لا يعتبرون، دستوريا أو سياسيا، جزء من الأسرة الحاكمة أو المالكة، وبالتالي فلا قيمة ولا نتائج دستورية لهذا الاصطلاح بالنسبة لهم بحكم أنه محظور عليهم تولي الحكم لعدم انتسابهم إلى ذرية الشيخ مبارك. ويترتب على هذا، أن الحظر الدستوري في شأن ترشيح وانتخاب أفراد الأسرة الحاكمة الوارد في المذكرة التفسيرية لا يسري إلا على من ينتسب لذرية الشيخ مبارك. والقول بغير هذا، أي اعتبار الحظر يسري على كل أفراد عائلة الصباح، فيه إهدار بين لقاعدة المساواة. فأفراد عائلة الصباح الذين لا ينتسبون للذرية الحاكمة لا يملكون فرصة تولي الإمارة، وهم في هذا يتساوون مع غيرهم من المواطنين، وبالتالي فإن حرمانهم من مباشرة الحقوق السياسية لمجرد انتسابهم إلى عائلة الصباح، وليس الذرية الحاكمة، فيه إهدار لحقوقهم كمواطنين. ومن غير المقبول اعتبار انتسابهم إلى عائلة الصباح سببا لمصادرة حقهم في مباشرتهم حقوقهم السياسية..".

".. وعلى ذلك يمكننا القول أنه وعلى الرغم من عدم وجود نص يحظر تعيين ولي العهد كرئيس لمجلس الوزراء، إلا أننا نرى أن روح الدستور تتأذى إن تم تعيينه. ذلك أن الجمع بين منصبي ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء يتعارض تماما مع الفكرة الأساسية التي قام عليها الدستور وهي الشراكة في الحكم مع الميل نحو شعبيته من جهة، والاحتفاظ لأسرة مبارك الصباح بكرامتها ومكانتها بوصفها مصدر الحكام من جهة أخرى".

".. هل الحكم في الكويت وراثي فعلا؟ أم أنه حكم عائلي أو أسري؟ ثم هل يجوز انتقال الحكم في الكويت من الأب إلى الابن"؟

"اتسم انتقال السلطة في الكويت منذ أن تأسس حكم أسرة الصباح بالبساطة والسلاسة. وقد سبق لنا أن بينا أنه من بين أربعة عشر أميرا تعاقبوا على حكم البلاد منذ بداية حكم أسرة الصباح في العام 1756 ولغاية تولي الحاكم الحالي منصبه في العام 2006، خلا منصب الإمارة بالوفاة الطبيعية 12 مرة، في حين خلا منصب الإمارة إثر اغتيال سياسي مرة واحدة، ولم يتم إعفاء الأمير من منصبه إلا مرة واحدة في العام 2006".

"وإذ عقد مجلس الأمة أول اجتماع له بتاريخ 29 يناير 1963، فإن العمل بالدستور بدأ في ذلك اليوم، وبالتالي فإن فترة السنة المقررة لصدور قانون توارث الإمارة انتهت في 28 يناير 1964، وإذ صدر قانون توارث الإمارة بتاريخ 30 يناير 1964، فإنه يكون قد صدر بعد فوات الميعاد الدستوري لصدوره".

"لقد كان متاحا التعامل مع أزمة الحكم بإجراءات دستورية لا تشوبها شوائب سياسية. فقد كان لابد أولا من الاعتراف بأن التنظيم الدستوري والقانوني لأحكام توارث الإمارة لا يشمل معالجة لحالة فقد الأمير القدرة الصحية قبل تعيين ولي العهد. ثم ومن أجل توفير الأجواء المناسبة لابتداع قاعدة دستورية جديدة كان لابد من تحقيق إجماع الأمة واطمئنانها، فابتداع القواعد الدستورية الجديدة فيما يتصل بانتقال الحكم لا يتم اعتمادا على مخارج لغوية ظاهرة البطلان، ولا يتم عبر ممارسة الضغط السياسي ولا عبر تضليل الرأي العام بشأن النصوص الدستورية..".

الفقرات السابقة مختارة من الجزء الأول من كتاب "روح الدستور" الذي انتهيت من تأليفه قبل أيام، وسوف ينشر خلال الشهر الجاري بإذن الله، وهو يتناول بالشرح المواد من 1 إلى 6 المتصلة بالدولة ونظام الحكم، ونصوص قانون توارث الإمارة.

وخلال بحثي في أوراق "أزمة الحكم" لاحظت أن قرار مجلس الأمة بعزل الشيخ سعد جاء على النحو التالي:
"فجرى التصويت بالنداء بالاسم على انتقال صلاحيات الأمير بصفة نهائية وفقا للمادتين الثالثة والرابعة من قانون توارث الإمارة، فقرر المجلس بإجماع أعضائه أل (65) على ذلك..".

أي أن القرار لا يشير إلى (موافقة) أعضاء المجلس، بل اكتفت المضبطة بالإشارة إلى التصويت دون بيان نتيجة التصويت بالقول "فقرر المجلس بإجماع أعضائه أل(65) على ذلك". فلم تذكر المضبطة على ماذا كان الإجماع؟ على الموافقة أم الرفض! ونعتقد أن خلو المضبطة من كلمة (الموافقة) التي كان يجب أن ترد بعد ذكر الرقم (65) هو من قبيل السهو. والصياغة السليمة للمضبطة هي (فقرر المجلس بإجماع أعضائه أل 65 (الموافقة) على ذلك. وأعتقد أنه من المهم جدا تصحيح هذا الخطأ المادي الناتج عن الارتباك!


4/5/2007



مقالات سابقة:
تنويه: هذه الآراء تعبر عن رأي الكاتب ولاتمثل رأي اي مؤسسة او جهة اخرى. لمراسلة الكاتب